2012/03/31

تاريخ الُنخب وذاكرة العبيد .. استكان شاي مع ارسطو


نشر البير داغر وهو أستاذ جامعي لبناني مقال يناقش فيه كتاب الباحث ستيفان وينتر  «شيعة لبنان في ظل الحكم العثماني، 1516-1788» الصادر في 2010 .. ويبدو ان كتاب وينتر الذي يؤرخ للعلاقة الجيدة بين النخب الشيعية اللبنانية وبين السلطة العثمانية قد ازعج داغر لانه يُكذب محكية المظلومية الشيعية .. فحوى مقال داغر هو ان وينتر قد اخطأ في اختيار عنوان كتابه لان العنوان لا يعكس مضمون الكتاب .. فـ وينتر بحسب داغر قد تطرق لتاريخ اقطاعيين من أبناء الطائفة الشيعية معتبراً أنّه إنما يؤرخ للشيعة .. من هنا تساؤل داغر : كيف تحوّل تاريخ النخب الشيعية التي كانت تتولى جباية الضرائب إلى تاريخ لمذهب وطائفة بكاملها؟ .. داغر يقول ان وينتر قد استخدم على الدوام في معرض الحديث عن الاقطاعيين الشيعة صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم.

هل ترون ما ارى ؟ لا !! اذا تعالوا نطرح اسئلة داغر بطريقة اخرى .. تصورا انفسكم امام حسن العلوي او امام اي كويتب شيعي اخر ممن اشاعوا محكية المظلومية .. وبادروهم بهذه الاسئلة : كيف تَحوّل تاريخ النخب السنية التي كانت تتولى الحكم في العراق إلى تاريخ لمذهب وطائفة بكاملها؟ ولماذا في معرض حديثكم عن الحكام السنة تستخدمون صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم ؟؟ هذه الاسئلة هي اسئلة ازمتنا .. اسئلة خرابنا.. اسئلة الطائفية السياسية التي  قتلت العراق وهي في طريقها لبعثرة كل منطقتنا .. وهي اسئلة غيبها صراخ الكتاب الشيعة الذين اشاعوا محكية المظلومية.. فهذه الاسئلة تقول لنا ان هناك منظور اخر للنظر للفعل السياسي ولتقييمه والحكم عليه.. فلماذا شاع المنظور الطائفي عند الكتاب الشيعة؟؟ هنا سؤال في غاية الاهمية.. سؤال يكشف خواء الثقافة العراقية التي يسود فيها الشعراء واللغة الشعرية المخربة للرؤوس.. الثقافة التي لم تنتهي بعد من حزورة الاجيال الشعرية!! 

علينا هنا ان نذْكر شيئا مهما وهو ان ما يقوله ستيفان وينتر بخصوص العلاقة الجيدة بين النخب الشيعية اللبنانية وبين السلطة العثمانية يمكن ان نقوله مع حنا بطاطو بخصوص العلاقة الجيدة بين النخب الشيعية في العراق وبين السلطة العثمانية.. وحنا بطاطو يقول ان اغنى الاغنياء في العراق وحتى عام ١٩٥٨ كانوا من الشيعة.. وحنا بطاطو يضيف بعد ان يفكك حجج المظلومية الشيعية: " كان هناك فقراء سنة كما كان هناك فقراء شيعة وان بغداد كما كل مدن العراق كانت حتى العهد الملكي مدينة تنتمي الى العصور الوسطى والاحياء السنية لا تختلف في درجة الاهمال عن الاحياء الشيعية " (بطاطو،الطبقات، الطبعة الاصلية لعام ١٩٧٨، ص. ٤٩ـ ٥٠).

اذهبوا الان وقولوا للكتاب الشيعة لماذا اعتبرتم ان الفقر والحرمان في العراق المعاصر كان من نصيب الشيعة فقط ؟؟ اذهبوا وقولوا للكتاب الشيعة لماذا اعتبرتم عبد الرحمن النقيب او عبد المحسن السعدون ممثلين للسنة في حين انكم تميزون الان بين شيعة العراق وشيعة السلطة..اذهبوا وقولوا لابناء البيوتات الشيعية لماذا في معرض حديثكم عن عارف او صدام حسين استخدمتم صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم.

ولكن احذروا بعد ذلك من الحديث في هذا الموضوع مع "عبيد السادة" .. فـ ارسطو يعلمنا درسا في غاية الاهمية وهو "ان بعض الناس خُلقوا لكي يعيشوا عبيد".. والعبيد في العادة لا يعرفون تاريخهم .. فهم يكتفون بذاكرة اسفنجية تمتص الحدث القريب وتلفظ الحدث البعيد..هل نستغرب ان الجلبي حفيد الاقطاعي الذي كان يبتز فقراء الشيعة لكي يرضي الباشا العثماني اصبح اليوم متحدثا باسم فقراء الشيعة !!

واياكم ثم اياكم ان تتكلموا بهذا الموضوع مع العلمانيين من صنف "شيعي شيوعي".. فهذا الصنف من العلمانيين ظلوا طوال فترة ارتدائهم لمعطف كارل ماركس يعتقدون بشفاعة الحسين يوم القيامة.. وهذا ما قاله الجواهري لواحد من عبيد السادة عاتبه على شرب الخمر!! ثقافة "بُطل العرك المشفوع" هذه.. ثقافة "الطواطات" التي يمثلها الجواهري خير تمثيل..هي احد الاسباب التي اوصلتنا الى الحال المزري الذي نشهده اليوم.

2012/03/18

تاريخ التاريخ العراقي المعاصر .. حكايات المجانيين التي تروى لاغبياء


اقرأ حاليا كتاب " ديمتري بيساريف والايديولوجيا العدمية الروسية" للمؤرخ الفرنسي ارمون كوكار .. كتاب جيد ولكنني اتقدم ببطء في صفحاته التي تتجاوز الاربعمائة صفحة .. ساعات عملي الطويلة هذه الايام لا تترك في راسي ما يكفي من الهدوء للتركيز الذهني .. فمنذ اسبوع وهذا الكتاب معي ولازلت في الصفحات المئة الاولى .. في ايام الاعدادية والجامعة كنت قادرا في ايام العطل على التهام كتاب كامل في جلسة واحدة .. كم احن الى تلك الايام.

تستوقفني في هذا الكتاب ملاحظة مهمة يسجلها ارمون كوكار بخصوص الارشيف الخاص للشخصيات الادبية والسياسية الروسية في منتصف القرن التاسع عشر .. فهو يقول ان الارشيف الخاص لهذه الشخصيات هو ارشيف فقير بسبب رقابة النظام البوليسي انذاك .. وهذا ما كان يجبر تلك الشخصيات الى عدم التطرق الى مواضيع حساسة قد تسبب لهم مشاكل مع السلطة .. اما المراسلات الشخصية التي تحتوي على معلومات في غاية الاهمية فكان يتم التخلص منها حرقا خوفا من ان تقع يوما ما في ايادي غريبة.. مما يحرم الباحث من وجهات نظر تلك الشخصيات في تلك اللحظة التاريخية .. والنتيجة هي فجوات معلوماتية ونواقص تاريخية في غاية الاهمية لقراءة ذلك العصر قراءة صحيحة.

 ارمون كوكار يقول ان هناك الكثير من الكتب والمقالات الاستذكارية عن تلك الفترة المضطربة.. ولكن اغلب تلك الكتابات هي صياغة من الذاكرة تمت بعد زمن طويل على حدوث تلك الاحداث.. وهي لهذا السبب لاتمتلك المصداقية اللازمة .. لانها اعادة صياغة  تمت في مناخ فكري وسياسي يختلف عن المناخ الذي جرت فيه تلك الاحداث.. ارمون كوكار يضيف محذرا انه لا يجب تحميل رقابة السلطة فقط مسؤولية تلك الفجوات والنواقص التاريخية .. فالفجوات التي تميّز نتاج تلك الشخصيات عائد الى فترة زمنية تتميز بشيء من عدم النضج على مستوى الاشخاص كما المناخ العام الذي كان متسرعا ومهملا لكثير من الامور.

المهم عراقيا في ملاحظة ارمون كوكار هي انها تنفع كتحذير منهجي يجب استحضاره قبل كل قراءة للكتب التي تطرقت للتاريخ العراقي المعاصر .. لان اغلبها يحمل اسقاطات زمن متأخر على حدث متقدم ..اي انها نتاجات كتبت الماضي بعيون الحاضر الذي كتبت فيه .. وانت عندما تقرأ مثلا "ذاكرة" طالب شبيب وهو احد قيادات البعث في الستينات ستجد انه يسجل فترة الستينات بعوينات التسعينات .. من هنا ضحالة شهادته التاريخية وعدم مصداقيتها .. واغلب الكتب التي فبركها كتاب شيعة ابتداءً من حسن العلوي وانتهاءً بكنعان مكية تدخل ضمن هذا النمط المبتذل للتاريخ .. اي انها كتب تسجل الماضي بعيون واسقاطات الحاضر الذي كتبت فيه .. مما يحرمها من المصداقية التي يتكلم عنها ارمون كوكار في ملاحظته اعلاه.

لو كان عندي الوقت الكافي والامكانيات اللازمة لشرعت من الان في كتابة كتاب يحمل عنوان "تاريخ التاريخ العراقي المعاصر".. وساضع في السطر الاول من الصفحة الاولى منه الجملة التالية : " هنا حكايات مجانيين لازالت تروى لاغبياء".. وسيكفيني عندها ملاحظة ارمون كوكار المسجلة اعلاه كمنهجية نقدية.. مع بيتي شعر لـ ِمعروف الرصافي دلني عليهما احد اصدقاء الدربونة .. وفيهما نفس المنهجية النقدية للتاريخ:

وما كُتُب التأريخ في كل ما روت  لقرائها إلا حديث ملفقُ
 نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا    فكيف بأمر الغابرين نُصدقُ