2012/08/19

ما قالته اعقاب السجائر عن الحريق


لماذا يكون أكراد العراق أكرادا فحسب بينما عرب العراق منقسمون الى شيعة وسنة؟

 من هو طارح هذا السؤال يا ترى؟ لو قيل لك ان طارح هذا السؤال هو مواطن عراقي هجّرته الحرب الطائفية.. لو قيل لك ان طارح هذا السؤال هي أُم فقدت ابنها في انفجار مفخخة.. لو قيل لك ان طارح هذا السؤال هو أب قُتل ابنه حرقا في تنور الزهراء.. لو قيل لك ان طارح هذا السؤال هي زوجة تم زرف رأس زوجها بالدريل..لو قيل لك ان طارح هذا السؤال هو انسان يتألم لرؤية بلده يُدمر بسبب معارك جَمَل قرووسطوية في عصر يُرسل العالم مركبات لدراسة كوكب المريخ..لو قيل لك ان طارح هذا السؤال هو احد هولاء لقلت: نِعْمَ السؤال ونِعْمَ المتسائل.

لكن ان تعرف ان طارح هذا السؤال كان حتى الامس القريب يتكلم عن اغلبية شيعية واقلية سنية..ان تعرف ان طارح هذا السؤال ساهم بكتابة "اعلان شيعة العراق" الذي طالب بأن ينص الدستور العراقي على أن أغلبية الشعب العراقي هي من الشيعة..ان تعرف ان طارح هذا السؤال هو بوق من ابواق المظلومية الشيعية..ان تعرف ان طارح هذا السؤال هو حسن العلوي..عندها شيء ما في داخلك..ليس غضبا.. ليس امتعاضا ..لا،لا.. ماذا اسميه؟ لا اجد الكلمة المناسبة..كيف تشعر امام شخص كان يطالب قبل سنوات بكتابة عبارة الاغلبية الشيعية في الدستور ويأتيك اليوم متسائلا: لماذا عرب العراق منقسمون الى شيعة وسنة؟ تصور مشهد عائلة يحترق بيتها ويأتي شخص ويقول لهذه العائلة المنكوبة انه سيساعدهم في اعادة بناء البيت ولكن العائلة تعرف ان هذا الشخص ساهم في اضرام النار في البيت..كيف ستشعر العائلة تجاه هذه الدناءة..اظنه الاحتقار..نعم الاحتقار هو ما ستشعر به هذه العائلة امام هكذا سفالة.

 نفس شعور الاحتقار هذا يجتاحني وانا اقرأ تساؤل حسن العلوي:لماذا عرب العراق منقسمون الى شيعة وسنة..لأنني اعرف ان حسن العلوي ساهم بكتابة "اعلان شيعة العراق" الذي طالب بـ"أن ينص الدستور العراقي على أن أغلبية الشعب العراقي هي من الشيعة"..ونفس شعور الاحتقار يجتاحني وانا اقرأ ان العلوي يسعى الى تأسيس"تكتل سياسي جديد لإخراج العراق من المذهبية ولخلق أجواء سياسية شبيهة بالتي كان العراق يعيشها خلال الحقبة الملكية التي كانت تنشط فيها أحزاب عبرطائفية".. لانني اعرف ان هذا العلوي قام في "اعلان شيعة العراق" باتهام العهد الملكي "بمنهجة النزعة الطائفية" في العراق.. شخص ينتقل بخفه البهلوان من دور البوق الطائفي الى دور الوطني..ماذا اقول.. قدرة هذا الرجل على الاستهبال ليس لها حدود. 

امام شخص بهذه الخفة والسفالة الفكرية لم يعد السؤال اليوم هو: لماذا عرب العراق منقسمون الى شيعة وسنة؟ امام شخص اتهم الدولة العراقية الحديثة بمنهجة الطائفية ينبغي طرح سؤال اخر: ترى متى اتحد عرب العراق؟ امام الابواق الطائفية التي قامت بقراءات مبتسرة للتاريخ العراقي المعاصر علينا العودة دائما للتاريخ.. فكل من يعرف التاريخ يعرف ان عرب العراق ظلوا خلال قرون طويلة منقسمين عشائريا ومناطقيا.. والشرخ المذهبي كان دائما عامل تفرقة بينهم.. والزواج العبرطائفي كان ممنوعا اجتماعيا كما يقول حنا بطاطو الذي يصف حال العراق قبل تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام ١٩٢١:
  
Islam in Iraq was more a force of division than of integration. It split deeply Shi’i and Sunni Arabs. Socially they seldom mixed, and as a rule did not intermarry. In mixed cities  they lived  in separate quarters and led their own separate lives. (Batatu, the old social classes, p. 17)

بعد ثلاثة عقود من تأسيس الدولة العراقية الحديثة توحد الكثير من عرب العراق الى درجة العمل معا داخل احزاب عبرطائفية.. بعد سبعة عقود من تأسيس الدولة العراقية اصبح ثلث العوائل العراقية متزاوجة طائفيا.. كل ذلك حصل تدريجيا بفضل قيام الدولة التي تأسست عام ١٩٢١.. والمدارس ومناهج التعليم الحديثة والجيش كانت ادوات هذا الصهر الاجتماعي والسياسي.. ورجال الدين الشيعة حاربوا كل هذه المؤسسات..هذه الدولة التي اخرجت العراق من الغيتوهات الطائفية اتهمها حسن العلوي بمنهجة النزعة الطائفية!! الفترة الوحيدة التي عاش فيها عرب العراق خارج الغيتوهات المذهبية نعتها حسن العلوي بالطائفية.. الفترة الوحيدة التي اصبح فيها الزواج العبرطائفي شائعا.. وهذا هو المعيار الذي يستند عليه علماء الانثروبولوجيا في تعريف عملية الانفتاح والتعايش بين مجموعتين..هذه الفترة الفريدة في كل تاريخ العراق نعتها حسن العلوي بالاقصائية فقط لان الحاكم كان من عائلة سنية.. واليوم فقط يتسائل العلوي وباستهبال : لماذا عرب العراق منقسمين الى شيعة وسنة!! 

 قبل ثلاثة اسابيع شب واحد من اكبر حرائق الغابات التي عرفتها اسبانيا في تاريخها.. وتبيّن بعد ذلك ان سبب الحريق هو عُقب سيجارة رماه رجل عابر في الطريق.. حسن العلوي وامثاله من الكتاب الشيعة هم عندي اعقاب سجائر ساهمت باشعال الحريق الطائفي الذي احرق العراق.. صحيح ان دور ابناء البيوتات الشيعة في ادامة القحط الطائفي هو دور اخطر بكثير من دور امثال حسن العلوي.. ولكن الحريق الاسباني يعلمنا ان الحرائق الكبرى غالبا ما تشتعل لاسباب تافهة.. يكفي عُقْب سيجارة مثلا لتدمير غابة عمرها قرون.. وحسن العلوي الذي اشاع بين الرؤوس الاسفنجية الكثير من الكليشات الطائفية..حسن العلوي الذي طالب ذات غزوة شيعية  بأن ينص الدستور العراقي على أن أغلبية الشعب العراقي هي من الشيعة..هذا العلوي هو عندي عقب سيجارة.. گطف كما نقول باللهجة العراقية التي تمنح المفردة معنى التفاهة بشكل اكبر.. گطف تافه اي نعم.. ولكنه كان كافيا لاشعال الحريق في بلد ساد فيه القحط الفكري والجفاف السياسي.. وهذا الگطف يأتي اليوم متسائلا: لماذا عرب العراق منقسمين الى شيعة وسنة !! من اين لِاعقاب السجائر ان تفهم ان احراق غابة يحتاج الى ساعات فقط.. بينما الحصول على شجرة مثمرة واحدة يحتاج الى سنوات طويلة !! 

2012/07/29

محور ممانعة ام محور مذهبي .. عن دموع حسن نصر الله !!


نشراسعد ابو خليل مؤخرا مقال يقول فيه ان هناك ازمة بين حزب الله وجمهوره العربي وهو يُرجع هذه الازمة بالدرجة الاولى الى حرب اعلامية طائفية من قبل اعلام آل سعود.. ولكن ابو خليل يُحَمِّل ايضا حزب الله المسؤولية عن نجاح هذه الحملة لانه "لا يحسن الحرب الدعائيّة إلا ضد العدوّ الإسرائيلي، فيما يعتري أداءه على الساحة العربيّة الكثير من الارتباك ومن الترددّ ومن الصمت المطبق وهذا من أسوأ وسائل الدعاية السياسيّة".. ويستشهد ابو خليل في هذا الاطار بموقف حزب الله مما يجري في سوريا قائلا:"إنّ موقف الحزب من الأزمة السوريّة ضعيف أخلاقيّاً، ومفيد لأعداء المقاومة".. من هنا فأن ابو خليل يقدم بعض النصائح الاعلامية لحزب الله قائلا "ان حزب الله يتجنّب في خطب حسن نصر الله أي نقد لأنظمة الخليج الرجعيّة" وعليه ان يقوم بذلك.. اما بخصوص علاقة الحزب مع النظام السوري فان ابو خليل ينصح حزب الله بان يجاهر بالحقيقة ويقول للجمهور العربي "إنّ المقاومة تحتاج إلى إمداد مُستمرّ من السلاح والعتاد في مواجهة اسرائيل. وهذه الحاجة إلى المعبر السوري تحكم مسار موقف الحزب من النظام السوري. لكن الحزب لم يجاهر بذلك، ولو فعل لكان الجمهور العربي العام قد تفهّم عاملاً مهماً (وغير طائفي) في هذه العلاقة.. ويبدو ان اسعد ابو خليل هو صوت مسموع داخل اوساط حزب الله.. فحسن نصر الله  قد استمع لنصائح ابو خليل في خطابه الاخير حيث ركز بهستيرية على دور سوريا في دعم المقاومة وقام  بنقد السعودية بالاسم.

مذهل ان "استاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا" يعتقد ان ازمة حزب الله مع جمهوره العربي هي ازمة علاقات عامة!! لذلك فهو يعتقد وبسذاجة منقطعة النظير ان بضعة تصريحات لـ حسن نصر الله كفيلة بنفي صفة الطائفية عن حزبه وكفيلة بتصحيح ازمته مع جمهوره العربي!! مذهل ايضا ان استاذ العلوم السياسية يعتقد ان ازمة حزب الله مع جمهوره العربي سببها مؤامرة اعلامية سعودية!! فلو قرأ "استاذ العلوم السياسية نظريات الاعلام والبروباغاندا من منظور علم الاجتماع السياسي لوجد ان هناك بديهية يعرفها كل طلاب المرحلة الاولى في العلوم السياسية وفحواها هو ان كل إعلام العالم لايستطيع اقناع مواطن واحد بشيء ما..اذا لم يكن هناك اساس في الواقع لهذا الشيء.. ويستطيع ابو خليل ان يراجع بهذا الخصوص واحد من كلاسيكيات العلوم السياسية وهو كتاب ستوارت هال : "الثقافة، وسائل الاعلام واللغة" الصادر عام ١٩٨٠.

عندما يقول اسعد ابو خليل ان المسؤول عن ازمة حزب الله مع جمهوره العربي هو اعلام آل سعود فهو يستخف بعقول الناس..فهذا الطرح قد يقنع مشاهدي قناة المنار او قراء صحيفة الاخبار اللبنانية.. ولكنه لايستطيع  اقناع شخص يتمتع بكامل قواه العقلية.. فالكل يعرف ان العداء بين اعلام آل سعود والاعلام الشيعي قائم منذ سنوات طويلة.. ولكن اعلام آل سعود لم يمنع في السابق كثير من الجمهور العربي السني من مناصرة حزب الله.. طرح الامور بهذه الطريقة يجعلنا نطرح اسئلة يتناساها اسعد ابو خليل ..اسئلة من مثل: لماذا الجمهور العربي الذي ناصر حزب الله بالامس، رغم عدائية اعلام آل سعود له، يَنّفَضُ من حوله اليوم فقط ؟ ما الذي استجد لكي يكون هناك ازمة بين حزب الله وجمهوره العربي الذي لم يؤثر فية اعلام آل سعود في السابق؟  

والجواب نجده في المتغيرات السياسية التي عمت المنطقة مؤخرا والتي خلقت اوضاعا سياسية جديدة.. وهذه الاوضاع الجديدة وبالتحديد ازدواجية حزب الله ازاها هي التي خلقت ازمة حزب الله مع جمهوره العربي.. تعال ارجوك وقل لي : كيف لجمهور حزب الله العربي ان يصدق حزب الله عندما يتكلم عن المقاومة ومناهظة الاحتلال في لبنان وفلسطين ولكنه يسكت عن تعامل الاحزاب الشيعية المدعومة من ايران مع المحتل الامريكي في العراق ؟؟ كيف للجمهور العربي ان يفهم موقف حزب الله المهلل والداعم للحراك الشعبي في تونس ومصر واليمن والبحرين.. في حين انه يُدين الحراك الشعبي في سوريا بعد ان اعتبرته ايران مؤامرة امريكية.. ايران التي دعمت الاحزاب الشيعية التي جاءت على ظهور الدبابات الامريكية في العراق.. تصف الحراك الشعبي السوري الذي استمر سلميا خلال اشهر طويلة بالمؤامرة الامريكية!! هل يعتقد اسعد ابو خليل حقا ان "الجمهور العربي" يحتاج الى اعلام آل سعود الضحل والمبتسر لكي يفسر له هذه الازدواجية!!  

حسن نصرالله في خطابه الاخير يقول لنا "ممنوع في المنطقة أن يكون هناك جيش قوي، ولذلك دُمّر الجيش العراقي ويحاولون اليوم تدمير الجيش السوري،لأن المقبول في المنطقة بوليس فقط ".. تُرى اين كان حسن نصرالله عندما كان ساسة الشيعة في العراق يشجعون بريمر من اجل تفكيك الجيش العراقي بحجة انه الجيش الذي قمع الانتفاضة الشيعية في عام ١٩٩١ !!  اين كان حسن نصر الله ايام كانت بيوت الضباط العراقيين تُدهم من قبل مفارز شيعية يقودها اناس يتكلمون العربية بلكنة فارسية.. وهذه معلومة نقلها لي صديق دهمت مفرزة شيعية بيته في الاشهر الاولى من الاحتلال.. ومصدرها  ليس اعلام آل سعود كما قد يعتقد اسعد ابو خليل!! اليوم فقط يتباكى حسن نصر الله على الجيش العراقي من اجل استدرار عطف جمهوره العربي بعد ان وقعت الفأس على رأس حليفه السوري.. فمن سيصدق اليوم دموع حسن نصر!!

الجمهور العربي وقف مطولا امام هذه الازدواجية في مواقف حزب الله ..يوما بعد اخر.. وحدثا بعد حدث.. وموقفا بعد موقف كان جمهور حزب الله العربي يستغرب بأن مواقف حزب الله من المتغيرات التي شهدتها منطقتنا في العقد الاخير كانت دائما تتطابق مع مواقف ايران.. وهذا قد اظهر للجمهور العربي ان حزب الله مرتبط لوجستيا ومذهبيا بايران وبالتالي فهو يقف حيث تقف ايران!! ايران التي تدعي محاربة الشيطان الاكبر في المنطقة ولكنها تتعامل معه في العراق من تحت الطاولة (وهذه الحقيقة وردت سهوا على لسان حسن نصر في خطابة الاخير)!! ايران التي تدعي مقاومة اسرائيل ولكنها تتعامل تجاريا مع الهند التي هي اهم سوق لصناعة السلاح الاسرائيلي.. لا،لا..هذا كثير بحق عقول الجمهور العربي.. تدريجيا فهم جمهور حزب الله العربي ان المصالح الجيوشيعية هي التي تحدد مواقف حزب الله.. وكل شعاراته عن المقاومة ما هي الا توظيف سياسي للقضية الفلسطينية.. الجمهور العربي فهم ذلك معتمدا على وقائع تحدث امامه.. فلا يحتاج المرء ان يكون استاذ علوم سياسية لكي يفهم ذلك.

ما هو مستغرب هو ان اساتذه علوم سياسية لم يفهموا ذلك بعد!! فـ أسعد ابو خليل  يسمع ويسجل في مقاله ان سالم زهران يتحدّث من على شاشة «المنار» عن "محور المقاومة الممتدّ من الجنوب اللبناني مروراً بسوريا والعراق وإيران".. ولكن ابو خليل يطالب حزب الله بأن يوضح موقفه من هذا التصريح ويتسائل "كيف دخلت حكومة العراق التي أتت بمباركة المُحتلّ في منظومة المقاومة" !! قناة المنار تعطي اسعد ابو خليل دليل على مفهومها الطائفي للصراع الدائر في منطقتنا.. ولكن اسعد ابو خليل يرفض ان يستنتج ما استنتجه جمهور حزب الله العربي.. ابو خليل المهموم بالقضية الفلسطينية لا يريد ان يصدق ان هم حزب الله هو هم شيعي بالدرجة الاولى وموقفه السياسي تحدده المصالح الجيوشيعية.. مما يعني بالمحصلة ان حزب الله يوظف القضية الفلسطينية سياسيا كما وظفتها الانظمة القومية من قبل .. يا للهول!!

من حق اسعد ابو خليل ان لا يصدق ما يقال في زوايا المطبخ الشيعي الذي تديره ايران.. رغم ان صحيفة الاخبار التي ينشر فيها ابو خليل مقالاته والتي يديرها شخص مقرب من حسن نصر الله تعج بـ مقالات عن طريقة تفكير المحور الشيعي .. ومن حقه ان لا يصدق ما يسمعه من قناة المنار عن محور المقاومة الممتدّ من الجنوب اللبناني مروراً بسوريا والعراق وإيران.. ومن حقه ان يستمر بطرح اسئلة ساذجة من مثل "هل تعريف المقاومة عند حزب الله هو تعريفاً مذهبياً".. سنتفهم ذلك.. ولكن ليس من حقه ان يستهتر بعقولنا ويقول ان ازمة حزب الله مع جمهوره العربي سببها اعلام آل سعود التافه والمبتسر!! فكثير هو الجمهور العربي الذي لا يرى الامور بمنطق ابو خليل المانوي ذو الثنائيات الضيقة وفحواه: اذا لم تكن مع حزب الله فأنت مع آل سعود..اذا لم تكن مع "المقاومة" التي تدعمها ايران فأنت مع اسرائيل.. لا بل ان اسعد ابو خليل وصل بالارهاب الفكري مؤخرا الى مستوى ستاليني اذ يقول:"كل من يبدأ جملته في لبنان بعبارة «إنّ إسرائيل عدوّ» هو حليف وثيق لإسرائيل" لانه يستخدم هذه الجملة للتمويه!!

 منطق ابو خليل المانوي هذا يمنعه من فهم بديهية منطقية وهي ان الجمهور العربي ليس مجبرا على الاختيار بين شرين.. ومن هنا فليس على الجمهور العربي ان يختار بين اسرائيل وايران.. وبنفس المعنى ليس على الجمهور العربي ان يختار بين قرووسطوية آل سعود وبين قرووسطوية ولاية الفقيه.. ان ترفض خيارين احلاهما مر هو دليل صحة ذهنية.. وبالتالي فان الجمهور العربي او اللبناني من حقه ان يقول ان اسرائيل عدو وبنفس الوقت يحق له ان يرفض شعارات حزب الله.. حان الوقت لكي يفهم ابو خليل ان الارهاب الفكري الذي استخدمه يسار الكافيار اللبناني طوال السنوات الماضية ما عاد يقنع الجمهور العربي.. خصوصا بعد ان اكتشف هذا الجمهور ازدواجية حزب الله وموقفه الطائفي مما يحدث في سوريا.. وابو خليل الذي يُعيب على بعض العلمانيين السوريين (ليبراليين وشيوعيين) تحالفهم مع الاخوان المسلمين في المعارضة السورية.. مُطَالَب وفق نفس المنطق بأن يقول لنا كيف لفوضوي وشيوعي سابق مثله ان يدعم حزب يؤمن بولاية الفقيه وبخرافة المهدي المنتظر !! 

2012/07/14

عن مطارق الاسلامجية ومساميرهم الصدئة


هذه الصورة نشرتها مؤخرا الرابطة الشعبية المصرية الاسلامية ومعها تعليق يحرم الطماطم .. ولماذا ؟ لان الطماطم "نصرانية تسبح بحمد الصليب بدلا من الله .. ولانها "تشهد ان الله ثالث ثلاثة" !! اما خاتمة التعليق المرفق مع الصورة فهي نموذج لعقلية الاسلامجية حيث تختلط الحمير الطائرة بالانبياء والشياطين والاحلام الفنطازية .. وهناك كالعادة النحيب المستجدي لتعاطف الرعاع .. الغائب الوحيد في هذه الحفلة التجهيلية هو العقل ..هذه هي العقليات التي ستحكم منطقتنا في العقود القادمة .. تصورا حجم التجهيل .. وحجم الخراب القادم.
ما يستوقفني في صورة وتعليق الاسلامجية هنا هو ازدواجية وتناقض اساليبهم .. فهولاء الاسلامجية غالبا ما استخدموا صور تظهر فيها اشكال قريبة من اسم الله كدليل على معجزة الاسلام .. والصورة التالية هي مثال من امثلة كثيرة تغص بها مواقع التجهيل الاسلاموية:



 ولكنهم اليوم وقد وقعوا على طماطم يظهر فيها شكل الصليب تراهم يفسرون الامر من منطلق أخر .. والسؤال هو لماذا طماطم يظهر فيها شكل يقترب بالكاد من اسم الله هي معجزة اسلامية ؟؟  في حين ان طماطم يظهر فيها بوضوح شكل الصليب هي طماطة كافرة تسبح بحمد الصليب !! فلو كانوا اوفياء لمنطقهم السابق لكان لزاما عليهم ان يقروا بمعجزة مسيحية.. من هنا فأن صورة الطماطم "المسبحة بحمد الصليب" قد فندت اسلوب التجهيل الذي يستخدمه الاسلامجية في هذا الاطار.

هناك مقولة مشهورة في الادبيات الفلسفية تقول : "من في رأسه مطرقة يرى جميع الاشياء من حوله على شكل مسامير" .. وهذه المقولة تنطبق على كل عقلية متخشبة غير قادرة على الخروج من سجن معتقداتها المحدودة .. فهناك في الطبيعة مليارات الاشكال ولكن الاسلامجية لا يرون فيها الا ما يتناسب مع في رؤوسهم .. ما لا تفهمه المطارق الاسلاموية هو ان كل صاحب معتقد يستطيع ان يجد في الطبيعة الاف الاشكال التي تتناسب مع رموزه المقدسة .. ولو تحرينا كل الطماطم المنتج في العالم سنجد فيها رموز جميع المعتقدات البشرية .. فما بالك بمليارات الاشكال التي تتضمنها الطبيعة .. وبهذا المعنى فان وجود ما يشبه اسم الله في بطيخة او "طماطاية" خايسة  لا يعني شيئا الا في رؤوس هجرها العقل واحتلتها الخرافات والحمير الطائرة!!

2012/06/30

الاخوان في السلطة .. مرحبا ايتها المشاكل

عندما فاز الحزب الاشتراكي الفرنسي بالانتخابات الرئاسية عام  ١٩٨١ بعد عقود من الوقوف في خانة المعارضة  صرح الرئيس المنتخب فرانسوا ميتران قائلا " لقد بدأت المشاكل"..  وصول "الاخوان المسلمين" الى السلطة في مصر سيضعهم اخيرا امام اختبار السلطة .. فـ  نقد السلطة شيء .. وممارسة السلطة شيء اخر مختلف تماما .. الاسلامجية الشيعة في العراق عاشوا تجربة العُري السياسي هذه في السنوات الاخيرة .. الاسلامجية السنة يخوضون التجربة للمرة الاولى .. وداعا للشعارات .. ومرحبا ايتها المشاكل .

لقد اختبرت منطقتنا حركة المد القومي في خمسينيات القرن الماضي .. والتي كانت حركة جارفة  تغلبت فيها العاطفة على العقل .. والانفعال على الحكمة .. كثير من العفوية .. كثير من القطيعية الجماهيرية .. كثير من الشعارات .. كثير من الاحلام .. كثير من الوعود .. ومع اختبار الاحزاب القومية للسلطة جاء التعسف .. جاء الفساد .. جاءت الروح الانتقامية  .. جاء العنف.. والنتيجة .. كثير من الخيبات والهزائم .. ترى هل استفدنا من تلك التجربة ؟ اشك في ذلك.

انظر لحركة المد الاسلامي اليوم .. ماذا ترى .. كثير من العفوية  .. كثير من القطيعية الجماهيرية .. كثير من الشعارات .. كثير من الاحلام .. كثير من الوعود الوردية .. وخطابات تبعث سذاجتها على الغثيان..  يبدوا اننا سننتظر خمسين سنة اخرى .. لنعي متأخرين فشل شعار خادع اخر : "الاسلام هو الحل" !! 

تحضرني في هذا الاطار مقولة رائعة للمفكر الفرنسي ارنست رينان بخصوص عناد الاشتراكيين بعد كل تجربة فاشلة من تجاربهم السياسية .. وهي مقولة قالها رينان قبل فشل الشيوعية بعقود: 

بعد كل تجربة فاشلة يعاودون الكرّة  قائلين : "لم نجد الحل، ولكننا سنجده مستقبلا" . لا يخطر على بالهم ابدا أن ليس هناك حل.

 Après chaque expérience manquée ils recommencent; on n'a pas trouvé la solution, on la trouvera. L'idée ne leur vient jamais que la solution n'existe pas  

رينان يريد ان يقول .. في السياسية التي هي فن ادارة المجتمعات ليست هناك حلول جاهزة كما اعتقدت الايديولوجية الاشتراكية .. فكل الايديولوجيات المتحجرة التي تاتي للسلطة بحلول جاهزة نهايتها الفشل.. ونحن اليوم امام أناس يقولون لك "الاسلام هو الحل".. الاسلام السياسي الذي في طريقه لاشعال ابشع حرب طائفية في منطقتنا هو الحل !! لما لا !  

 عزائنا الوحيد هو اننا نعرف ماذا سيقول جيل عام ٢٠٦٢ بعد فشل تجربة الاسلام السياسي؟؟  سيقولون "الافكار جيدة ولكن الساسة هم السبب".. الخ من التبريرات الكبشفدائية.. اوليس هذا ما تقوله "الاصابع البنفسجية" في العراق اليوم .. اليس هذا ما قالته "جماهير شعبنا العظيم" !! فالقطيع جماهير في الخمسينات .. وضحايا في التسعينات .. وهلم جرا .. "الشعب يريد" في عام ٢٠١٢ و"الشعب لا يريد " في عام ٢٠٦٢ !! 

ماذا تعني خمسين سنة اخرى من منظور التاريخ ؟؟ جيلا ضائعا اخر او جيلين  .. في منطقة مثل منطقتنا.. ليس بالثمن الباهض .. الى الامام رفاق !!

2012/05/31

الذاكرة الشيعية والتاريخ العراقي


 في العقود الاخيرة تفككت دول كثيرة بعد حروب اهلية مدمرة.. وهذه الظاهرة قد انتجت محكيات مختلفة ومتناقضة  فبركتها المجموعات المتصارعة .. لهذا السبب اصبح علماء التاريخ يميزون بين الذاكرة كمروية انتقائية لمجموعة ما.. وبين التاريخ كحاصل جمع للمرويات المتصارعة.. الذاكرة في هذا الاطار هي محكية انتقائية اما التاريخ فشامل.. الذاكرة تركز على جانب معين من حدث ما.. اما التاريخ فيتناوله من جميع الجوانب. 

ما يعاب على ذاكرة المجموعات هي انها ذاكرة انتقائية تركز فقط على ما حصل لها على يد خصومها.. اما ما ارتكبته هي او دورها قبل ان يحصل لها ما حصل فهي تتجاهله .. كما لو انها لم تكن فاعلا في ما جرى..  والدراسات التي تناولت الحرب الاهلية في يوغسلافيا السابقة قد بينت ان كثير من المجموعات التي قدمت نفسها عبر وسائل الاعلام كضحايا هم في الحقيقة لايقلون اجراما عن "جلاديهم".. باختصار خطر هذا النوع من الذاكرة الانتقائية هو انه ينتج افراد يعتقدون انهم ضحايا.. افراد يتجاهلون انهم قد ساهموا من خلال افعالهم في صناعة الحدث وبالنتائج التي افرزها.. بمعنى انهم يتجاهلون مسؤوليتهم في انتاج ما حصل لهم. 

المحكية الشيعية في العراق تنتمي الى هذا النوع من الذاكرة.. فهي ذاكرة غارقة في الانتقائية ومحكيتها هي خلطة لمبالغات وانصاف حقائق واكاذيب.. وهذه الطبيعة الانتقائية للذاكرة الشيعية يمكن اظهارها من خلال هذا المثال.. ففي عامي 1974 و1977 استخدم رجال الدين الشيعة مناسبة عاشوراء لاغراض سياسية حيث رفعوا شعارات معادية للسلطة.. ونتيجة لذلك قامت السلطة البعثية انذاك باستخدام القوة ضدهم. 

تعالوا الان لننتقل الى زمن اخر ودولة اخرى .. ولن نذهب بعيدا .. فايران الشيعية هي المكان .. والحدث لا يختلف في جوهره عن الحدث العراقي الذي جرى في السبعينات.. ففي مناسبة عاشورا التي جرت في عام ٢٠١٠ استخدمت المعارضة الايرانية الممثلة بـ كروبي وحسين موسوي مناسبة عاشوراء لاغراض سياسية ورفعوا شعارات معادية للسلطة الايرانية.. ونتيجة لذلك قامت السلطات الايرانية باستخدام القوة ضدهم. 

كما ترون فان رد فعل السلطة في الحالتين هو واحد.. السلطة الايرانية في ٢٠١٠ كما السلطة العراقية في السبعينات تحركتا امام خطر يهددهما .. ولا علاقة للمذهب او الطائفة في ذلك.. بمعنى ان منطق السلطة لا يفرق مذهبيا بين من يهدده.. ولكن الذاكرة الشيعية وبانتقائيتها المعهودة تقول لنا ان السلطة البعثية استخدمت القوة في السبعينات بدافع طائفي !! وهذه الانتقائية الشيعية نجدها في احداث كثيرة جرت في التاريخ العراقي المعاصر.. وخصوصا فيما يسمى بـ"الانتفاضة الشعبانية" .. حيث تم رفع شعار"ماكو ولي الا علي ونريد حاكم جعفري".. وهذا حتى قبل ان ترد السلطة عليهم .. ولكنهم في محكيتهم لما حدث يركزون فقط على طائفية السلطة.. كما لو ان رفع شعار"ماكو ولي الا علي ونريد حاكم جعفري" هو سلوك وطني !! 

 باختصار .. الذاكرة المأزومة شيء والتاريخ شيء اخر.. وبالتالي فأن الذاكرة الشيعية شيء والتاريخ العراقي المعاصر شيء مختلف تماما.

2012/05/20

الصراع من منظور سوسيولوجي .. استكان شاي مع جورج سيمل


في مقال عنوانه "مرجعية الأعيان ومرجعية المعدان" يقول عدنان طعمة الشطري ما معناه ان عراق ما بعد صدام حسين قد شهد ترسيخ نظام طبقي في السلطة بين الشيعة حيث يسيطر "السادة" على مقاليد الحوزة والدولة مع منح بعض المناصب الشكلية لبعض الساسة المنحدرين من اصول شروكية.. مقال الشطري هذا هو رد غير مباشر ومستحي على مقال اسبق نشرته الـ ميدل ايست أونلاين لـ نبراس الكاظمي عنوانه "الشوفينية الشيعية المستحدثة" .. يقول فيه الكاظمي ان هناك صراع شيعي- شيعي، بين شيعة النجف وكربلاء وبغداد وشيعة العمارة والناصرية والكوت، "وهو صراع سلطوي على المال والقوة، بعضه ظاهر الآن، وبعضه مؤجل الى حين حسم المعركة مع السنة والاكراد. والكاظمي يضيف بأن الغلبة قد آلت مسبقا الى من ينتسب الى العمارة والناصرية والكوت، فأصبحت المراكز التنفيذية والامنية العليا في الدولة مصبوغة بألقابهم العشائرية (الساعدي، البهادلي، الاسدي، السوداني، …إلخ).


كما ترون فأن الكُتّاب الشيعة يستيقضون اليوم فقط على واقع الصراع بين الشيعة.. منهم من ينتقد السادة وابناء البيوتات ويتهمهم بتهميش الشروكية.. ومنهم من ينتقد شوفينية الشروكية ويتهمهم بالسيطرة على المراكز الحساسة في الدولة.. ولكن كتابنا الشيعة ما ان يقرّوا بهذا الصراع الشيعي الشيعي ..حتى يعودوا الى تفسيره من منظور قيمي اخلاقوي يستند الى ثنائية الخير والشر.. في حين ان هناك امكانية لتفسير هذا الصراع من منظور سوسيولوجي تاريخي مُحيّد اولا لما يسميه نيتشة بـ"اخلاقيات الضغينة" التي تنتجها ثنائية الخير والشر الاخلاقوية.. ويساعدنا بالتالي على الخروج من صراع صريفة بني ساعدة الذي ما زال يمعن في قتلنا.

الشطري الذي يوقع مقاله بـتعبير "كاتب علماني" يرى ان تحرير المعدان من استعباد السادة سيتم "بالاعتماد على منهجية كتاب فاطمة، رمز الحكمة العظيمة".. فهل نستغرب بعد ذلك ان علمانية النص ردن هذه تقول لنا ان هناك تشيع جنوبي نقي وتشيع "نجفي" فاسد وعنصري.. باختصار..لا جديد..هناك دائما عقلية ضغائنية تنظر للعالم من منظور الخير والشر الاخلاقوي.. ما يتغير في منطق الشطري هو ان عقدة الضحية تتحول من بعدها المذهبي الى بعدها المناطقي.. من الضدية المذهبية الى الضدية المناطقية.. اما نبراس الكاظمي فهو يقول لنا في بداية مقاله ان الصراع اليوم بين الشيعة هو صراع نفوذ وسلطة.. ولكنه يعود في نهاية مقاله الى المنظور الاخلاقوي ويتكلم عن زمن سحري ولى حيث النقاوة الشيعية وعن "جوهر التشيع ووجدانيته" وعن اجيال شيعية "لم يكن التشيع بالنسبة لهم صراعا سلطويا بين عوائل وعشائر على المال والفيء، بل كان التشيع الذي احبوه هو من اجل نصرة المظلوم " الى اخره من اسطوانة المحكية الشيعية الرسمية التي تخفي مطامعها السياسية تحت غطاء الشعارات الاخلاقوية وهي في ذلك لاتختلف عن الايديولوجيات الاخرى.

ليس غريبا ان الكاظمي الذي يتطرق للفرق الشيعية عبر التاريخ ( الكيسانية، والاسماعيلية، الفاطمية، وحركة حسن الصبّاح، والقرامطة، والنّصيرية، الخرميّة والقزلباشية والكاكية).. يمر مرور الكرام على هذا الموضوع ولايطرح سؤال "لماذا كل هذا التشظي الشيعي تاريخيا".. فخمس دقائق تحليل لهذه الفرق سيظهر لنا ان الصراع بين الفرق الشيعية هو ثابت تاريخي.. حيث "افترقت الزيدية فرقا والإمامية فرقا والغلاة فرقا؛ كل فرقة منها تكفر سائرها" كما يقول عبد القاهر البغدادي في كتابة "الفَرق بين الفُرق".. والصراع على النفوذ والسلطة كان هو المحرك الاساسي وراء التشظي الشيعي.

 والشيعة في هذا لايختلفون عن كثير من الحركات الدينية التي انشقت عن ديانات اغلبية.. فمثل هذا الصراع نجده داخل الحركة البروتستانتية.. فما ان انفصل البروتستانت عن الكنيسة الكاثوليكية حتى شبت الخلافات بين البروتستانت ونتج عن ذلك فرق متصارعة فيما بينها على النفوذ والسلطة.. وهذا ما يسجله عالم الاجتماع الالماني جورج سيمل في كتابه البارع "الصراع".. وكتاب سيمل هذا الذي يبرهن فيه ان الصراع ثابت بشري وليس محصور بثقافة معينة ينفع كمضاد حيوي ضد فيروسات وسخافات علي الوردي الذي اشاع بين انصاف المتعلمين كليشة ازدواجية الشخصية العراقية وعنفها. 

باختصار.. الصراع الشيعي الشيعي هو ثابت تاريخي  والغلو الشيعي او"الشوفينية الشيعية" ليست شيئا مستحدثا كما يعتقد الكاظمي..انها قديمة قدم اخلاقيات الضغينة والكراهية التي انتجها الصراع على السلطة في صدر الاسلام .. فالكاظمي ينسى او يتناسى ان العقيدة الشيعية انتجها الصراع على السلطة، الصراع على الخلافة.. وبهذا المعنى فان هاجس السلطة هو في جوهر العقيدة الشيعية.. وهي عقيدة خسرت في امتحان التاريخ فراحت تسكن العوالم الخلفية معتاشة على اخلاقيات الضغينة والكراهية التي تعتقد بان هناك خير ونقاء في جانبها وشر وفساد في الجانب الاخر وهو اعتقاد يكذبه فساد وصراع الشيعة اليوم.

عالم الاجتماع الايطالي باريتو يقول:" تتغير الانظمة ولكن جوهر السياسة وهو الصراع على السلطة والنفوذ هو ثابت تاريخي".. ومقولة باريتو هذه يختصرها جوليان فروند بـ مقولته البارعة :"هناك ثورات سياسية، ولكن ليس هناك "ثورات" في السياسة".. بمعنى ان الصراع على السلطة هو الشيء الوحيد الذي لايتغير في حقل السياسة.. فالصراع على السلطة حصل ويحصل حتى بين ابناء العائلة الواحدة.. والتاريخ العالمي مليء بشواهد على هذا الصراع العائلي على السلطة.. بمعنى ان على الشيعة ان يكفوا عن الفهم القيّمي للتاريخ.. ويحاولوا ان يفهموا ان الصراع على السلطة في صدر الاسلام كان حاصلا لا محالة.. ولو لم يكن هناك امويين مقابل الهاشميين.. لتصارع الهاشميين فيما بينهم كما حدث في بداية العصر العباسي.. حين نكّل العباسيين ببعض العلويين تنكيلا لم يسبق له مثيل.. من هنا المقولة التي تروى عن ما يسمى بـ محمد "ذي النفس الزكية": "لقد كنا نقمنا على بني امية ما نقمنا، فما بنو العباس الا اقل خوفا لله منهم، فلقد كان "للامويين" اخلاق ومكارم وفواضل ليست لابي جعفر".. ولسان حاله يردد قول ابو عطاء الشاعر :

يا ليت جور بني مروان عاد لنا     يا ليت عدل بني العباس في النار

  وبنفس المعنى، لو لم يكن هناك عباسيين مقابل العلويين.. لتصارع العلويين فيما بينهم على السلطة كما يتصارع الشيعة اليوم في ما بينهم.. فمتى سيخرج الشيعة من الفهم السحري للتاريخ ومن النظرة القيمية وبالتالي من اخلاقيات الضغينةّ !!

2012/04/29

عن اساليب واكاذيب "روميو" الشيعي

"وسام قد قتل. انتظروا دوركم. واذا كنتم تريدون الحفاظ على حياتكم غادروا السعدية".. هذه هي الرسالة التي استلمتها عائلة وسام الكردية التي تعيش في مدينة السعدية في محافظة ديالى من العصابات الشيعية التي قتلت وقطعت جثة وسام .. حدث هذا بعد الخلافات الاخيرة بين الاحزاب الشيعية و"حكومة" كردستان.. ويقولون لك ديمقراطية !!

نحن هنا امام ديمقراطية فريدة من نوعها.. فانت صديق طالما انك تتفق مع الاحزاب الشيعية ولكن ما ان تخالف املاءاتها فانت عدو.. وبالتالي فأن مصيرك هو القتل والتهجير..فما ان اختلف الاكراد مع "الديمقراطية" الشيعية هذه حتى بدأت القنابل تمطر على  مقرات الاحزاب الكردية في بغداد.. وبدءت عمليات التهجير الاثني.. وهذه الطبيعة العصاباتية الانتقامية هي اهم سمات الديمقراطية الشيعية.. ديمقراطية بالمعنى الافلاطوني للكلمة.. اي حكم الغوغاء..حيث يسود قانون الغلبة .. قانون العدد ..قانون استعراض العضلات .. وهذه الطبيعة الغوغائية الاستعراضية كانت ولاتزال السبب الرئيسي في ما حل ويحل بالعراق منذ ٢٠٠٣.  

ولفهم الطبيعة الغوغائية الاستعراضية للديمقراطية الشيعية..عليك ان تفهم قول خطير للسيستاني اوردته مؤخرا وكالة الاسوشيتد برس في تقريرها عن رؤية القيادة الشيعية للصراع في العراق .. فالسيستاني قال لوفد شعبي شيعي زراه قبل عاشورا الاخيرة مايلي  : " قلت دائما ان شيعي من بغداد يعادل خمسة افراد شيعة من النجف. انتم الاغلبية واعدائكم يحاولون التقليل من عددكم. فاخرجوا ومارسوا شعائركم".

I always say that one Shiite from Baghdad is worth five Shiites like me from Najaf ... You are the majority and your enemies are trying to reduce your numbers,” al-Sistani said, according to one of the 30 men who attended the seven-minute meeting last November. “Go out and perform your rituals 

وهذا القول يؤكد الاستخدام  السياسي لاعداد الزوار كسلاح في المعركة من قبل الساسة الشيعة.. فـ السيستاني هنا يطالب الجمهور الشيعي بالخروج باعداد كبيرة من اجل استعراض القوة العددية.. انه منطق الغلبة العددية.. منطق الشقاوات.. لا غرابة بعد ذلك ان يعتقد السيستاني ان شيعي يسكن بغداد هو افضل من شيعي يسكن النجف ..لأن الشيعي في بغداد هو رأس حربة في المواجهة مع السنة من اجل السيطرة على بغداد وفرض اغلبية شيعية .. فقط عندما نفهم منطق الغلبة العددي هذا سنفهم ايضا فتاوى السيستاني التي تحرم على الشيعية الزواج من سني وتبيح زواج الشيعي من سنية.. فهدف هذه الفتاوى الطائفية هو تشييع اكبر عدد من النساء السنيات عن طريق الزواج من شيعي ..لان الزوجة في مجتمع مغلق يمكن دفعها بسهولة على اعتناق مذهب زوجها.

وهنا لابد من الاشارة الى مسرحية "روميو وجوليت في بغداد" التي قام باخراجها مؤخرا مخرج شيعي..هذا المخرج الشيعي يقول لنا في مسرحيته ان العائلة السنية ترفض زواج "جولييت" السنية من "روميو" الشيعي لانها تفضل تزويجها الى احد ابناء "الارهابيين" العرب الذين قاتلوا الامريكان في العراق.. بمعنى ان العائلة السنية تنطلق في رفضها من موقف طائفي.. تصورا حجم استهتار مسرح اللطم بعقول الناس.

نعم العوائل السنية اليوم ترفض تزويج بناتها الى شيعة ولكن ليس للاسباب الفلمهندية التي يوردها مسرح اللطم.. العوائل السنية ترفض اليوم تزويج بناتها الى شيعة لانها عاشت ويلات الحرب الطائفية التي انتجتها محكية المظلومية الشيعية.. العوائل السنية ترفض تزويج بناتها الى شيعة لانها اطلعت على فتاوى السيستاني الطائفية التي تحرم على الشيعية الزواج من سني وتبيح زواج الشيعي من سنية.. وهذا ما يتناساه المهرج الشيعي النائم في اوهام الخطاب السياسي الشيعي.

من اين لمهرج قادم من خلف السدة ان يفهم مقولة ستندال: "ان إقحام السياسة في عمل فني هو مثل اطلاق رصاصة اثناء سمفونية"!!

2012/04/14

عرب فوبيا .. استكان شاي مع هيرودوت


نشر طالب الشطري مؤخرا مقال فحواه ان فيلم القادسية قد كون صورة نمطية باذهان العرب عن الامة الفارسية.. وان معركة القادسية الاولى مزقت الحضارة الفارسية التي عمرها الاف السنين.. والشطري يتسائل: "لماذا يكره العرب بلاد فارس؟".. فطبيعة الحضارة الفارسية بحسب الشطري "غير هجومية وقليلا ماخرجت عن حدودها في مهمة استعمارية.. وهي قد قدمت الكثير للانسانية على العكس تماما من جيرانها العرب الذين ظلوا في حالة هجوم دائم على جيرانهم".

ساضع جانبا اعتقاد الشطري الساذج بان فلم القادسية (الذي لم يسمع به ولم يشاهده اغلب العرب) كان السبب في تكوين صورة نمطية باذهان العرب عن الفرس.. فكل من ينظر ابعد من انفه للعالم يعرف ان العداوات والضغائن بين الشعوب المتقاربة جغرافيا هو شيء شائع.. والضغائن الموجودة بين الفرنسيين والالمان او بين الصينيين والكوريين هي نماذج من امثلة كثيرة.. السؤال الذي يطرح نفسه عندها هو لماذا يقوم بعض الكتاب الشيعة بتقديم الامور من منظور مانوي قائم على ثنائية الخير والشر.. كما لو ان العرب هم السبب في العداء التاريخي بين العرب والفرس ؟ كيف تحول ما هو مشترك بشري من منظور انثروبولوجي تاريخي الى عربفوبيا عند الكتاب الشيعة ؟؟ والجواب على هذا السؤال ليس صعبا.. انها الرابطة المذهبية.      

من يعرف التاريخ سيضحك على سذاجة الشطري الذي يجتر الكليشة الايرانية التي تقول بان" الحضارة الفارسية غير هجومية وقليلا ماخرجت عن حدودها في مهمة استعمارية" !! فمفردة "قليلا" في هذه الجملة تضعنا امام مفارقة ساخرة.. وهي ان "الحضارة" الفارسية كانت تخرج من حدودها ولكن في اغلب الاحيان في مهمات انسانية من اجل توزيع "الحامض حلو" على الشعوب المحيطة بها !! فلو قام الشطري باعادة قراءة  كتاب الاول المتوسط عن التاريخ القديم وتمعَن في الخرائط وشاهد البقعة الجغرافية الهائلة التي كانت تحت سيطرة فارس..ربما سيفهم ان خلف ما يطلق عليه اسم "حضارة" لاغراض تزويقية تختفي حقيقة تاريخية اسمها "امبراطورية".. وبعد ان يبحث الشطري عن مفردة امبراطورية وتعريفها في كتاب الاول المتوسط.. سيجد ان جوهر الامبراطورية هو التوسع الجغرافي على حساب الشعوب المجاورة.. ولو كنت معلم الشطري لعاقبت هذا التلميذ الكسول بكتابة كلمة امبراطورية وتعريفها مئة مرة..عله يفهم الفرق بين ظاهر"الحضارة" وجوهر"الامبراطورية".. ومع بعض الحظ قد يفهم ان الحضارة هي الدرجة الاخيرة في مسار التوسع والتراكم الامبراطوري.. بمعنى ان الغزو والنهب واستعباد مئات الالوف من اسرى الحروب هي الاسس الاقتصادية والشروط التاريخية التي مكنت الحضارة الفارسية وكل الحضارات القديمة .. قولوا "آمين"!!

كل من يعرف قسوة الحروب في الماضي سيضحك ايضا عندما يسمع الشطري يقول لنا ان معركة بويب التي سبقت معركة القادسية "هي مجزرة تخلو من روح الفروسية والشهامة قام خلالها القائد العربي بقطع طرق الانسحاب على الجيش الفارسي لتتم ابادته بالكامل ثم عاد هذا القائد ليعترف بانه ارتكب خطئا اخلاقيا".. وهذه في الحقيقة احدى كليشات العرب فوبيا.. خذوا كل تاريخ العرب وقارنوه بتاريخ الفرس ستجدون ان العرب ورغم كل حروبهم وعنفهم هم حَمامات وديعة مقارنة بوحشية الفرس اثناء الحروب.. فعندما احتل الفرس مدينة بابل قاموا بخوزقة ثلاثة الاف من خيرة رجالها وعلمائها!! وعلماء التاريخ يقولون ان ما فعله الفرس بـِ بابل بعد احتلالها قد اعاق التقدم العلمي لعدة قرون.. والشطري يستنتج غياب روح الفروسية والشهامة عند العرب فقط لان قائد عربي طبق قاعدة "الحرب خدعة" وقطع الطريق على جيش العدو اثناء انسحابه من معركة ضارية.

استنتاج الشطري الساذج هذا يدفعنا للاعتقاد بانه لم يسمع عن روح "الفروسية والشهامة" عند الفرس.. ففي احدى الحملات العسكرية للامبراطورية الفارسية من اجل توزيع الحامض حلو على السكوثيين قام اب طاعن في السن تم تجنيد ابناءه الثلاثة بالتوسل الى داريوس ملك الفرس وقائد الحملة من اجل ان يترك له احد ابناءه الثلاثة على الاقل.. فاجابة داريوس:"طلبك منطقي لذلك ساعيد لك الثلاثة بالمرة".. وامر بذبح الابناء الثلاثة وتسليمهم الى ابيهم !! تصورا اذا حجم الوحشية التي كانت تنتظر الشعب الذي كان هدفا لحملة الفرس هذه.. اما دموية الحكام الصفويين فهي مضرب للامثال.. فـ اغا محمد شاه قام بذبح نصف سكان مدينة كرمان وفقء عيون النصف الاخر فقط لأن سكان كرمان استقبلوا في مدينتهم الشاه السابق وهو خصم اغا محمد في الصراع على العرش.. والكتاب الشيعة يريدون ان يقنعوننا بكليشة بداوة العربي وعنفه.

من يريد ان يقرأ عن حملات وعنف الامبراطورية الفارسية فليقرأ المؤرخ اليوناني الهائل هيرودوت.. ففي احدى حملات الامبراطورية الفارسية لتوزيع الحامض حلو على الجزر اليونانية قام الفرس باسقاط مدينة ميله اليونانية وقاموا باستعباد كل سكانها.. وقد بلغ تأثر الاثينيين باحداث سقوط ميله الى درجة ان العمل المسرحي الذي اخرجه فرينكوس عن هذه المأساة قد ابكى جميع الحضور في المسرح.. مما دفع بسلطات اثينا الى منع العرض المسرحي وفرض غرامة على المخرج..لان اثينا كانت تعتقد ان هدف الفن هو رفع معنويات الجمهور من خلال امتاعه وتثقيفه وليس تأجيج الجروح.. تُرى كم من كويتب او حكواتي سيتعرض الى هذه العقوبة الاثينية لو انها طبقت في عراق اليوم.. العراق الذي اصبح فيه الشعراء الشيوعيين يكرسون وقتهم لدراسة وتحليل تصاوير "الامام" علي.. وبات مسرحيوه يتناولون سالفة الحسين بحجة انها ميثولوجيا.. ولكن اين نحن من اثينا ومن قوانينها !!

فـ اثينا، المدينة التي منحت العالم الفلسفة وبذورالديمقراطية، هي ايضا تعرضت الى حملات الامبراطورية الفارسية لتوزيع الحامض حلو!! وفي احدى هذه الحملات دخل الجيش الفارسي الى اثينا فوجدها فارغة من سكانها..لأن الاثينيين رفضوا العيش تحت ذل الاحتلال الفارسي فهاجروا الى جزيرة سَلَمين..فارسل القائد الفارسي اليهم مبعوثا يطالبهم بالاستسلام وقبول سلطة الملك الفارسي عليهم.. وقد حمل المبعوث الفارسي هذه الشروط الى ممثل السلطة الاعلى في اثينا وهو مجلس الخمسمائة نائب.. فاجتمع الاثينيين لسماع مداولات نوابهم.. فوقف احد النواب واسمه ليسيداس فاقترح التفاوض مع الفرس والقبول بشروطهم.. وقد بلغ غضب الاثينيين من هذا الاقتراح حدا انهم سحبوا هذا النائب وقتلوه على الفور.

 هل يفهم الشطري لماذا تصرفت اثينا رمز الديمقراطية والحرية بهذا العنف مع احد نوابها الذي عبر عن رأيه اثناء نقاش سياسي؟؟ هل يفهم هذا المتشاطر الذي يعتقد ان الامبراطورية الفارسية غير هجومية !! اشك في ذلك.. فسكان اثينا كانوا يعتقدون ان الاوطان قبل الرموز ومن يتعاون مع المحتل فهو خائن.. اما امثال الشطري فهم مع نموذج النجف التي قالت للجنود الامريكيين في مشهد تاريخي مخجل: "سيتي يَس، امام علي نووو"!! فعند امثال الشطري القبور تأتي قبل الاوطان.. ومع ذلك فمن يدري .. فربما سيعيد الشطري قراءة كتاب الاول متوسط عن التاريخ القديم.. وربما سيفهم لماذا يكره اليونانيون الفرس..عندها .. وعندها فقط .. سيفهم ان الامبراطورية الفارسية لم تكن تخرج عن حدودها من اجل توزيع الحامض حلو على الشعوب.

2012/03/31

تاريخ الُنخب وذاكرة العبيد .. استكان شاي مع ارسطو


نشر البير داغر وهو أستاذ جامعي لبناني مقال يناقش فيه كتاب الباحث ستيفان وينتر  «شيعة لبنان في ظل الحكم العثماني، 1516-1788» الصادر في 2010 .. ويبدو ان كتاب وينتر الذي يؤرخ للعلاقة الجيدة بين النخب الشيعية اللبنانية وبين السلطة العثمانية قد ازعج داغر لانه يُكذب محكية المظلومية الشيعية .. فحوى مقال داغر هو ان وينتر قد اخطأ في اختيار عنوان كتابه لان العنوان لا يعكس مضمون الكتاب .. فـ وينتر بحسب داغر قد تطرق لتاريخ اقطاعيين من أبناء الطائفة الشيعية معتبراً أنّه إنما يؤرخ للشيعة .. من هنا تساؤل داغر : كيف تحوّل تاريخ النخب الشيعية التي كانت تتولى جباية الضرائب إلى تاريخ لمذهب وطائفة بكاملها؟ .. داغر يقول ان وينتر قد استخدم على الدوام في معرض الحديث عن الاقطاعيين الشيعة صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم.

هل ترون ما ارى ؟ لا !! اذا تعالوا نطرح اسئلة داغر بطريقة اخرى .. تصورا انفسكم امام حسن العلوي او امام اي كويتب شيعي اخر ممن اشاعوا محكية المظلومية .. وبادروهم بهذه الاسئلة : كيف تَحوّل تاريخ النخب السنية التي كانت تتولى الحكم في العراق إلى تاريخ لمذهب وطائفة بكاملها؟ ولماذا في معرض حديثكم عن الحكام السنة تستخدمون صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم ؟؟ هذه الاسئلة هي اسئلة ازمتنا .. اسئلة خرابنا.. اسئلة الطائفية السياسية التي  قتلت العراق وهي في طريقها لبعثرة كل منطقتنا .. وهي اسئلة غيبها صراخ الكتاب الشيعة الذين اشاعوا محكية المظلومية.. فهذه الاسئلة تقول لنا ان هناك منظور اخر للنظر للفعل السياسي ولتقييمه والحكم عليه.. فلماذا شاع المنظور الطائفي عند الكتاب الشيعة؟؟ هنا سؤال في غاية الاهمية.. سؤال يكشف خواء الثقافة العراقية التي يسود فيها الشعراء واللغة الشعرية المخربة للرؤوس.. الثقافة التي لم تنتهي بعد من حزورة الاجيال الشعرية!! 

علينا هنا ان نذْكر شيئا مهما وهو ان ما يقوله ستيفان وينتر بخصوص العلاقة الجيدة بين النخب الشيعية اللبنانية وبين السلطة العثمانية يمكن ان نقوله مع حنا بطاطو بخصوص العلاقة الجيدة بين النخب الشيعية في العراق وبين السلطة العثمانية.. وحنا بطاطو يقول ان اغنى الاغنياء في العراق وحتى عام ١٩٥٨ كانوا من الشيعة.. وحنا بطاطو يضيف بعد ان يفكك حجج المظلومية الشيعية: " كان هناك فقراء سنة كما كان هناك فقراء شيعة وان بغداد كما كل مدن العراق كانت حتى العهد الملكي مدينة تنتمي الى العصور الوسطى والاحياء السنية لا تختلف في درجة الاهمال عن الاحياء الشيعية " (بطاطو،الطبقات، الطبعة الاصلية لعام ١٩٧٨، ص. ٤٩ـ ٥٠).

اذهبوا الان وقولوا للكتاب الشيعة لماذا اعتبرتم ان الفقر والحرمان في العراق المعاصر كان من نصيب الشيعة فقط ؟؟ اذهبوا وقولوا للكتاب الشيعة لماذا اعتبرتم عبد الرحمن النقيب او عبد المحسن السعدون ممثلين للسنة في حين انكم تميزون الان بين شيعة العراق وشيعة السلطة..اذهبوا وقولوا لابناء البيوتات الشيعية لماذا في معرض حديثكم عن عارف او صدام حسين استخدمتم صفة هؤلاء المذهبية بدل تسميتهم بالاسم.

ولكن احذروا بعد ذلك من الحديث في هذا الموضوع مع "عبيد السادة" .. فـ ارسطو يعلمنا درسا في غاية الاهمية وهو "ان بعض الناس خُلقوا لكي يعيشوا عبيد".. والعبيد في العادة لا يعرفون تاريخهم .. فهم يكتفون بذاكرة اسفنجية تمتص الحدث القريب وتلفظ الحدث البعيد..هل نستغرب ان الجلبي حفيد الاقطاعي الذي كان يبتز فقراء الشيعة لكي يرضي الباشا العثماني اصبح اليوم متحدثا باسم فقراء الشيعة !!

واياكم ثم اياكم ان تتكلموا بهذا الموضوع مع العلمانيين من صنف "شيعي شيوعي".. فهذا الصنف من العلمانيين ظلوا طوال فترة ارتدائهم لمعطف كارل ماركس يعتقدون بشفاعة الحسين يوم القيامة.. وهذا ما قاله الجواهري لواحد من عبيد السادة عاتبه على شرب الخمر!! ثقافة "بُطل العرك المشفوع" هذه.. ثقافة "الطواطات" التي يمثلها الجواهري خير تمثيل..هي احد الاسباب التي اوصلتنا الى الحال المزري الذي نشهده اليوم.

2012/03/18

تاريخ التاريخ العراقي المعاصر .. حكايات المجانيين التي تروى لاغبياء


اقرأ حاليا كتاب " ديمتري بيساريف والايديولوجيا العدمية الروسية" للمؤرخ الفرنسي ارمون كوكار .. كتاب جيد ولكنني اتقدم ببطء في صفحاته التي تتجاوز الاربعمائة صفحة .. ساعات عملي الطويلة هذه الايام لا تترك في راسي ما يكفي من الهدوء للتركيز الذهني .. فمنذ اسبوع وهذا الكتاب معي ولازلت في الصفحات المئة الاولى .. في ايام الاعدادية والجامعة كنت قادرا في ايام العطل على التهام كتاب كامل في جلسة واحدة .. كم احن الى تلك الايام.

تستوقفني في هذا الكتاب ملاحظة مهمة يسجلها ارمون كوكار بخصوص الارشيف الخاص للشخصيات الادبية والسياسية الروسية في منتصف القرن التاسع عشر .. فهو يقول ان الارشيف الخاص لهذه الشخصيات هو ارشيف فقير بسبب رقابة النظام البوليسي انذاك .. وهذا ما كان يجبر تلك الشخصيات الى عدم التطرق الى مواضيع حساسة قد تسبب لهم مشاكل مع السلطة .. اما المراسلات الشخصية التي تحتوي على معلومات في غاية الاهمية فكان يتم التخلص منها حرقا خوفا من ان تقع يوما ما في ايادي غريبة.. مما يحرم الباحث من وجهات نظر تلك الشخصيات في تلك اللحظة التاريخية .. والنتيجة هي فجوات معلوماتية ونواقص تاريخية في غاية الاهمية لقراءة ذلك العصر قراءة صحيحة.

 ارمون كوكار يقول ان هناك الكثير من الكتب والمقالات الاستذكارية عن تلك الفترة المضطربة.. ولكن اغلب تلك الكتابات هي صياغة من الذاكرة تمت بعد زمن طويل على حدوث تلك الاحداث.. وهي لهذا السبب لاتمتلك المصداقية اللازمة .. لانها اعادة صياغة  تمت في مناخ فكري وسياسي يختلف عن المناخ الذي جرت فيه تلك الاحداث.. ارمون كوكار يضيف محذرا انه لا يجب تحميل رقابة السلطة فقط مسؤولية تلك الفجوات والنواقص التاريخية .. فالفجوات التي تميّز نتاج تلك الشخصيات عائد الى فترة زمنية تتميز بشيء من عدم النضج على مستوى الاشخاص كما المناخ العام الذي كان متسرعا ومهملا لكثير من الامور.

المهم عراقيا في ملاحظة ارمون كوكار هي انها تنفع كتحذير منهجي يجب استحضاره قبل كل قراءة للكتب التي تطرقت للتاريخ العراقي المعاصر .. لان اغلبها يحمل اسقاطات زمن متأخر على حدث متقدم ..اي انها نتاجات كتبت الماضي بعيون الحاضر الذي كتبت فيه .. وانت عندما تقرأ مثلا "ذاكرة" طالب شبيب وهو احد قيادات البعث في الستينات ستجد انه يسجل فترة الستينات بعوينات التسعينات .. من هنا ضحالة شهادته التاريخية وعدم مصداقيتها .. واغلب الكتب التي فبركها كتاب شيعة ابتداءً من حسن العلوي وانتهاءً بكنعان مكية تدخل ضمن هذا النمط المبتذل للتاريخ .. اي انها كتب تسجل الماضي بعيون واسقاطات الحاضر الذي كتبت فيه .. مما يحرمها من المصداقية التي يتكلم عنها ارمون كوكار في ملاحظته اعلاه.

لو كان عندي الوقت الكافي والامكانيات اللازمة لشرعت من الان في كتابة كتاب يحمل عنوان "تاريخ التاريخ العراقي المعاصر".. وساضع في السطر الاول من الصفحة الاولى منه الجملة التالية : " هنا حكايات مجانيين لازالت تروى لاغبياء".. وسيكفيني عندها ملاحظة ارمون كوكار المسجلة اعلاه كمنهجية نقدية.. مع بيتي شعر لـ ِمعروف الرصافي دلني عليهما احد اصدقاء الدربونة .. وفيهما نفس المنهجية النقدية للتاريخ:

وما كُتُب التأريخ في كل ما روت  لقرائها إلا حديث ملفقُ
 نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا    فكيف بأمر الغابرين نُصدقُ     

2012/02/29

ازبال التاريخ العراقي المعاصر


نشرت صحيفة هاريتز الاسرائيلية في طبعتها الانكليزية مؤخرا مقال  لـِ اماتزيا برام تناول فيه بعض اسرار الارشيف العراقي الذي استولت عليه الولايات المتحدة بعد غزوها للعراق عام ٢٠٠٣ .. اماتزيا برام لمن لا يعرفه هو "اكاديمي" اسرائيلي متخصص في الشؤون العراقية وله بحوث كثيرة في موضوع الهوية العراقية .. وهو واحد من الباحثين الذين سمحت لهم الولايات المتحدة بالاطلاع على هذا الارشيف بسبب قربه من دوائر القرار الامريكي.. يستوقفني في مقال اماتزيا برام قول لـ طارق عزيز في احد اجتماعات القيادة في التسعينات.. طارق عزيز يقول "ان البحوث التي تقوم بها الجامعة الاسرائيلية عن العرب وعن العراق مذهلة. وان الاسرائليين يستخدمون هذه الابحاث الاكاديمية (التي تركز على الخلافات المذهبية والعرقية )لاثارة هذه الخلافات بين العرب من اجل اضعافهم وتجزئتهم". 

لا اعرف النتاجات الاكاديمية الاسرائيلية عن المجتمعات العربية .. ولكنني قرأت بعض النتاجات الاكاديمية الاسرائيلية المترجمة للانكليزية عن المجتمع العراقي.. وهي فعلا تركز بمرضية عن موضوع انعدام الهوية بين مكونات المجتمع العراقي.. واماتزيا برام هو اكثر من ركز على هذا الموضوع ولهذا السبب استعانت به دوائر القرار الامريكي قبل احتلالها للعراق.. ولكن يجب القول ايضا ان البحوث الاكاديمية الاسرائيلية معمولة بشكل جيد ووفقا لمنهجية البحث العلمي.. وثراء معلوماتها عن تاريخ "المجتمع" العراقي مذهل.    

ما لا يقوله طارق عزيز النائم في دفء نظرية المؤامرة هو ان البحوث الاكاديمية الاسرائيلية تتطرق ايضا لحالة التشظي السائدة في المجتمع الاسرائيلي.. وكل من اطلع على هذه البحوث يعرف ان المجتمع الاسرائيلي تنخره صراعات حادة بين مكوناته .. بين اليهود الارثودوكس وبين العلمانيين.. وبين الاشكناز(اليهود من اصول اوربية) والسفاراد (اليهود من اصول شرقية).. ناهيك عن الصراع بين اليهود وعرب ٤٨.. انا شخصيا قمت قبل سنوات بدراسة النظام السياسي الاسرائيلي الذي يمتلك اعقد نظام برلماني في العالم بسبب حالة التشظي المجتمعي في اسرائيل.. ووجدت مثلا ان كليشة :"عراقيان ثلاثة احزاب" التي سادت في خمسينيات وستينيات العراق والتي وضعها حنا بطاطو للاسف عنوانا لاحد فصول كتابه.. هي في الاصل مقولة يهودية : "يهوديان ثلاثة اراء".. وهي مقولة كانت تطلق وصفا لحالة التشرذم التي كانت سائدة داخل الوكالة اليهودية في بداية القرن العشرين.. وانا اعتقد انها انتقلت للعراق عبر يهود العراق.. وهي مقولة لا زالت سائدة اليوم في اسرائيل لانها تصف حالة التشظي داخل المجتمع اليهودي. 

نعم لقد نجح الحقل الاكاديمي الاسرائيلي بفرض رؤية ثقافوية عن الصراع داخل مجتمعنا.. لانه ينطلق من معطيات واقعية (التشظي الاجتماعي عندنا حقيقة قائمة على ارض الواقع).. ونجح في تعميم هذه الرؤية لانه اتبع منهجية بحثية رصينة رغم انها لا تخلوا من اسقاطات ايديولوجية.. والاهم هو انه نجح لاننا تركناه وحيدا في هذا الاطار.. امام حقيقة تشظي مجتمعنا اتبعنا ولا زلنا نتبع سياسة النعامة.. امام واقع مجتمعنا المتشظي اكتفينا بمحكية اسطورية عن العراق الذي عمره سبعة الاف عام.. امام بحوث تعتمد على حقائق تاريخية، فضلنا الشعارات ونظرية المؤامرة.

خطورة هذا الموقف الشعاراتي يكمن في انه منع موقف اخر اكثر صحة تجاه تشظي المجتمع العراقي.. كان بالامكان طرح "الهوية" العراقية كواقع معقد.. كمشكل.. وبالتالي كسؤال ومحاولة اجابة عن هذا السؤال من خلال عرضه ومناقشته اكاديميا وربما ايجاد حلول له.. وهذه المواجهة مع الذات كان سيكون لها فوائد على المجتمع من منظور سايكولوجي.. فمناقشة مشاكلنا "بصوت عالي" هي طريقة علاجية ناجحة.. ونحن قد فضلنا دفن مشاكلنا تحت اكوام من الشعارات.. والمجتمع الاسرائيلي متفوق علينا سياسيا لهذا السبب.. فهو لايخاف من التطرق لمشاكله علنا.. ومراكز البحوث الاسرائيلية  تنشر احصاءات سنوية عن مكونات المجتمع الاسرائيلي (من عرق وديانة ولغة الخ) مدعومة بالارقام.. اما عندنا فقد رفضت السلطات العراقية درج المذهب في تعداد السكان تحت شعار الهوية العراقية فوق الانتماءات الاولية.. والنتيجة هو ان الاكاذيب حلت محل الحقيقة.. فنسبة الشيعة التي قدرتها احصائيات الخمسينات بـ ٥١ ٪  من السكان.. تحولت الى ٧٠٪ في دفاتر المعارضة الشيعية.. ومثل هذه الاكاذيب والمبالغات التي سخرتها امريكا في مشروعها هي من قتلت العراق في السنوات الاخيرة.

ما لا يقوله طارق عزيز ايضا هو ان الحقل الاكاديمي العراقي الذي انتج دراسات رائعة في الخمسينات والستينات تحول تدريجيا وبسبب انعدام الحرية الى دكاكين حزبية.. وشاعت نتيجة لذلك دراسات متحزبة تفتقد لابسط قواعد البحث العلمي.. وقد كان لذلك نتائج كارثية على تاريخ العراق المعاصر ونحن اليوم ندفع ثمن ذلك.. فغياب حقل اكاديمي عراقي رصين ومستقل يلعب دور الحكم في البحوث والدراسات التي تتطرق لتاريخ العراق المعاصر.. اضافة الى غياب الحرية.. جعلا التطرق للتاريخ العراقي المعاصر حكرا على الاقلام الموجودة خارج العراق.. والادهى ان اغلبيتها هي اقلام معارضة.. والنتيجة هو ان تَحزُّب المحكيات الرسمية في الداخل قابله تحزّب المحكيات المعارضة في الخارج.. وفي هذه المواجهة المتحزبة كانت الحقيقة التاريخية هي الضحية.

حاول ان تقارن مثلا بين ما يقوله طالب شبيب مع ما يقوله هاني الفكيكي عن حدث عايشه الاثنان سويا (وكلاهما من قيادات البعث في الستينات).. ستجد ان ما يقوله طالب شبيب يناقض ما يقوله الفكيكي إن لم يُكذّبه.. فما بالك بحجم الهوة بين المحكية الشيوعية والبعثية.. او بين المحكية البعثية والشيعوية.. وهذا يعطينا فكرة بسيطة عن الالغام التي يحفل التاريخ العراقي المعاصر.. وكل هذا بسبب غياب حقل اكاديمي متخصص ومستقل.. لقد قتلت جمهوريات الاسلاك الشائكة الحرية الفكرية.. وجعلت الخطاب الرسمي هو الحقيقة الوحيدة المسموح بها.. وفي هذه الصحراء الفكرية اصبح كل ما يخالف خطاب السلطة مرغوب.. لان كل ما هو ممنوع مرغوب.. وبالتالي تحولت اكاذيب وكليشات كتاب معارضين الى حقائق تاريخية.. واصبح بامكان اي كويتب ان يرمي زبالته الحزبية او الطائفية امام بوابة التاريخ العراقي المعاصر.. والعراق يموت اليوم بسبب تراكم هذه الازبال.

2012/02/19

في وداع قلم انيق


"انطوني شديد كعادته لا يستقي معلوماته من السياسيين او من المنطقة الخضراء عندما يكتب عن العراق.. القرى النائية هي اهداف زياراته العديدة للعراق منذ ثلاث سنوات.. الناس في اسفل السلم الاجتماعي يشكلون مصادر تحقيقاته واهتماماته.. وهو غالبا ما يخرج بتحقيقات هي اقرب للبحث السوسيولوجي منها الى الريبورتاج الصحفي"..هذه الكلمات كتبتها هنا في الدربونة قبل سنوات.

انطوني شديد توفي قبل ثلاثة ايام بازمة ربو حادة في طريق عودته من سوريا التي دخلها سرا.. كان يستطيع ان يدخل سوريا بصورة رسميه.. ولكنه كان يعرف انه لن يكون حرا مع الناس في بلد مخابراتي.. كان يريد الذهاب كعادته خارج حدود الخطاب الرسمي.. الصحافة المجترة للخطاب الرسمي ليست صحافة.. المدن السورية التي تنام وتصحو على اصوات الانفجارات كانت وجهته.. كان يريد ان يشاهد بعينه ما يجري هناك.. هذه المرة لن نقرأ مشاهدات انطوني شديد.. الموت منعه من وضع ما شاهده باسلوبه البارع المعهود.

كثيرون يعتقدون ان شديد كان صحفيا ناجحا في تغطيته لاحداث العراق لانه من اصول عربية ولانه يتكلم اللغة العربية.. وهذا اعتقاد ساذج.. فهناك الكثيرين من الصحفيين الغربيين ممن يتكلمون اللغة العربية او هم من اصول عربية ولكنهم صحفيون عاديون.. ثم ان هناك المئات من الصحفيين العرب والعراقيين ممن عملوا في العراق.. ولكنهم لم يكتبوا شيئا يرقى لما كتبه شديد. 

لا شك ان خلفية شديد العربية ساعدته كثيرا في عملة في المنطقة العربية.. ولكن تميُّز شديد راجع الى فهمه الخاص للعمل الصحفي.. اضافة الى اسلوب بارع في الكتابة مرتبط ارتباط وثيق بهذا الفهم.. فشديد امام مادته الصحفية يعمل بطريقة الانثربولوجي .. فهو عين تسجل قبل كل شيء.. وافضل مقالات شديد هي تلك التي راحت فيها عينه تسجل الاشياء قبل ان تحكم عليها.. وهو في بعض هذه المقالات قد ترك لنا تحقيقات صحفية تقترب في عمقها من اسلوب الصحفي البولندي الساحر ريشارد كابوتشنسكي.

 اما عندما نسى شديد هذه الطريقة "العينية" وراح بحكم اقامته الطويلة في العراق يُغلِب ما يقوله له "خبراء الشأن العراقي" او بعض "المثقفين" العراقيين على مشاهداته.. فهو قد جنح للاسف نحو الاحكام العامة وبالتالي الكليشات.. واحدى مقالته الاخيرة عن العراق كانت من هذا النوع وجاءت محملة بالكليشات.. ما يشفع لشديد هو انه صحفي متواضع.. ذاتٌ غالبا ما تختفي امام مادتها الصحفية.. وهو بذلك ليس كما بعض الصحفيين العراقيين الذين يخنقون مواضيعهم بذواتهم المنتفخة.

مارتن شولوف وهو احد زملاء انطوني شديد كتب مقالا في الغارديان قبل يومين عن رحيل شديد المفاجئ .. شولوف يورد ما قاله له انطوني شديد في اخر ايامه في العراق :

"I came here to comprehend this place," he told me last year, talking of his time in Iraq. "With all its richness, beauty, insanity and loss, it is the one part of the world I wanted to make sense of. I'm not sure I know anything more now than when I got here 

وهي كلمات تكشف ان انطوني شديد كان في قمة التواضع.. فهو رغم انه افضل من غطى صحفيا سنوات الاحتلال الامريكي للعراق.. فانه يقر بعدم معرفته بالشأن العراقي.. وهذا الاعتراف الاخير يجعلنا نفهم الحيرة المعرفية التي وسمت مقالات شديد الاخيرة في العراق.. لقد جاء العراق لفهم البلد.. وخرج منه غير متأكد انه فهم اكثر مما كان يعرفه قبل دخوله. 

العراق الذي ساهمت في قتله كليشات صحفيون سرسرية من امثال حسن العلوي.. كم يحتاج الى هذا التواضع.

ان يموت قلم انيق كقلم انطوني شديد.. وتعيش الابواق المنتفخة باكاذيب المظلومية.. اي قدر احمق.


2012/01/31

شيعي اولا .. عراقي ثانيا !!


في الشهر الماضي نشرت صحيفة الغارديان مقال افتتاحي تناقش فيه مستقبل العراق بعد الانسحاب الامريكي.. وفيه يتساءل الكاتب عن جدية المقولة الامريكية التي تروج بان الحرب في العراق قد انتهت.. كاتب افتتاحية الغارديان يورد امثلة كثيرة تُكذّب هذه المقولة.. من ضمنها تصريح لنوري المالكي في احدى الغرف المغلقة  يقول فيه انه شيعي اولا وعراقي ثانيا.. وكاتب مقال الافتتاحية يتسائل " ما هو مستقبل دولة كهذه، اذا كان رئيس وزرائها يضع انتمائه المذهبي قبل انتمائه الوطني.. وهنا النص الانكليزي لهذا المقطع:

A war that is over?  Take the answer that the prime minister Nouri al-Maliki gave last week when asked to describe who he thought he was – first a Shia, second an Iraqi, third an arab, and fourth a member of the Dawa party. What chance for a nation state, if its prime minister places his confessional identity above his national one   

يوم امس فقط وبعد مضى اكثر من شهر على مقال الغارديان..اصدر المكتب الاعلامي للمالكي بيان يهدد فيه بمقاضاة صحيفة الغارديان لانها نشرت تصريح المالكي هذا..البيان يتهم الغارديان بان تغطيتها للشأن العراقي لاتتسم بالحياد والمهنية.. ويضيف ان المالكي "لم يدل بهذا التصريح لا لهذه الصحيفة ولا لغيرها".. بيان المكتب الاعلامي للمالكي وبلغته الخشبية المعهودة لم يذكر مقولة "عراقي اولا، شيعي ثانيا" ولكنه اشار فقط الى عنوان مقال الغارديان الذي ورد فيه تصريح المالكي. 

 ساضع جانبا، سالفة المهنية والحياد.. فرئيس وزراء ديمقراطية الاعترافات التلفزيونية هو اخر من يحق له الحديث عن المهنية !! ورئيس وزراء دولة تستخدم قاسم عطا متحدثا رسميا هو اخر من يحق له الكلام عن الحياد !! ولكن ما يستوقفني في بيان المالكي هو انه يقول لنا انه لم يدل بذلك التصريح لا لصحيفة الغارديان ولا لغيرها.. بتعبير اخر، المالكي لا ينفي انه قال ما قال في الغرف المغلقة.. ولكنه فقط ينفي انه قال ذلك لصحيفة الغارديان او لصحيفة اخرى.. بمعنى ان المالكي يعتقد ان الصحفي عليه ان ينشر فقط ما يقوله له المسؤول السياسي..الصحفي في هذا الفهم الستاليني يجب ان يسجل فقط ما يقال له في الاجتماعات الرسمية.. اما ان يذهب الصحفي في الكواليس باحثا عن ما يقال في الغرف المغلقة.. فهو بنظر المالكي سلوك لايتسم بالحياد والمهنية..من هنا غضب المالكي من صحيفة الغارديان التي نشرت ما لم يكن مخصصا للنشر.

غضب المالكي مفهوم اذا ما استحضرنا دور الصحافة في ديمقراطية المنطقة الخضراء.. فالمالكي قد تعود ان يستدعي الصحفييي العراقيين ويعطيهم المواد الاخبارية.. الصحفي في ديمقراطية الاعترافات التلفزيونية هو بوق يقف خاشعا امام اكاذيب قاسم عطا ويذهب بعد ذلك لنشرها.. الصحفيين في مزرعة المالكي هم قطيع يتم استدعائهم من اجل تصوير واستجواب متهمين بالارهاب يرتدون بدلات برتقالية.. وهذا ما قامت به حكومة المالكي قبل ثلاثة اسابيع حين وضعت متهمين بالارهاب اما قطيع من الصحفيين العراقيين في مسرحية ميلودرامية على الطريقة الفلمهندية التي تعشقها الذائقة الشيعية.. وقمة الوضاعة في هذا العرض المسرحي كانت صورة الطفل الباكي الذي يواجه ما قيل انه قاتل ابيه.. وهي صورة تذكرنا بصورة الام مع اطفالها في احدى المحاكمات الستالينية.. حين دخل الاطفال في نوبة بكاء مكيلين الاتهامات لوالدهم (المعارض السياسي) الذي كان في قفص الاتهام ومطالبين بانزال اقصى العقوبات بحقه.. عندما شاهد البير كامو هذا المشهد كفر بالشيوعية وبكل شعاراتها. 

المذهل ان من صدعوا رؤوسنا بقصصهم عن جمهورية الخوف البعثية وبشرونا بعهد جديد لم يعترضوا على هذا الاسلوب الستاليني..اما صحافة "شيعي اولا وعراقي ثانيا" فقد صفقت لهذه المسرحية المبتذلة وشاركت فيها بابتذال مخيف.. وهو شيء غير مستغرب من صحفيي العراق حيث تحولت مهنة البحث عن المتاعب الى مهنة البحث عن قطعة ارض سكنية !! اما الاعلام الامريكي فقد مر مرور الكرام على هذا "الانجاز" المخجل للديمقراطية المحمولة جوا.. النيويروك تايمز نشرت باستحياء مقال نقدي للمسرحية المالكية المبتذلة ولكن مع عنوان بارع :

Iraq Turns Justice Into a Show, and Terror Confessions a Script

فقط صحفي وضيع يقبل ان يقف امام شخص متهم بالارهاب ومحاط بجلاديه ويسأله عن جرمه.. خصوصا وان ابسط عراقي اليوم يعرف كيف يتم انتزاع الاعترافات من هولاء المتهمين.. ومقال غيث عبد الاحد الذي نشرته الغارديان قبل اسبوعين عن حال السجون العراقية هو وثيقة بارعة ودامغة في هذا الاطار.. وانا شخصيا اعتقد ان مقال غيث عبد الاحد هذا هو ما اثار المالكي وعصابته ضد الغارديان اكثر من مقولة "شيعي اولا وعراقي ثانيا".. فمقال غيث يرسم صورة مخيفة للسجون العراقية اليوم.. سجون يقايض فيها ضابط اُم تريد استرجاع ابنها الذي تمت تبرئته قضائيا منذ شهور ولكن الضابط يتصل بالام الفقيرة ويطلب منها مبلغ مالي ضخم من اجل الافراج عنه واذا لم تجلب هذا المبلغ  فهو يهددها بتعذيب ابنها..وعلينا ان نتذكر هنا ان المالكي سبق وان رفع قضية ضد الغارديان امام القضاء العراقي لانها نشرت تحقيق سابق لـِ غيث عبد الاحد مع ثلاثة من جهاز المخابرات العراقي اتهموا فيه المالكي بالنزعة الدكتاتورية.

البير كامو يقول:"اذا اردت ان تعرف مستوى تحضر بلد ما، فانظر الى سجونه".. وبنفس المعنى، اذا اردت ان تحكم على العراق اليوم فانظر الى سجونه ودعك من كل الخطابات الرسمية.. واذا اردت ان تحكم على مستوى الديمقراطية في العراق اليوم فانظر الى نظامه القضائي الذي يسمح باسلوب الاعترافات التلفزيونية التي تتنزع تحت التعذيب.. واذا اردت ان تعرف مستوى الحرية في العراق اليوم فانظر الى مستوى الاعلام الشيعي الذي يتناقل الخطاب الحكومي بميكانيكية البرافدا السوفيتية.. اما اذا لم تقتنع بكل هذا وبقيت مصرا على تصديق "وكالة انباء قاسم عطا".. فعليك عندها ان تأخذ نفسا عميقا .. وتهيء نفسك لاستيعاب حقيقة تحاول بلا وعي دفنها تحت تبريرات مختلفة.. وهي انك شيعي اولا.. وعراقي عاشرا.

2012/01/16

الفرق بين المأساة والفلم الهندي .. الحسين في موسوعة غينيس!!

تزامنا مع زيارة عاشورا نشر احدهم قبل ايام مقال عنوانه : "لماذا لا تدخل كربلاء  بموسوعة غينيس ؟؟" .. صاحبنا يتساءل في هذا المقال " لماذا يقوم العالم بتصوير وتسجيل والانبهار بابسط الامور واقلها اهمية  مثل أكبر كيكه او اطول ثوب زفاف وتدخل هذه الاعمال ضمن موسوعة غينيس. ويتم تجاهل مدينة كربلاء وخاصة في ايام عاشوراء حيث يجتمع ثلاثين مليون. الا يضع هذا الرقم الكبير من الزائرين مدينة كربلاء ضمن موسوعة غينيس للارقام القياسية ؟ وجواب صاحبنا على هذا السؤال هو ان هناك "تجاهل عالمي متعمد لهذه المدينة بسبب انها مدينة الامام الحسين". انتهى.

هذا اللطمي الذي يعتقد ان قيمة الاشياء تكمن في احجامها او اعدادها يفضح هنا ومن دون ان يدري واحد من اسس المذهب الشيعي الذي يقول ان عدد اتباع قضية ما ليس دليلا على قيمتها او صحتها .. وهي حجة وضعها رجال الدين الشيعة من اجل تبرير قلة عدد الشيعة بين المسلمين .. ومع ذلك فليس هنا المهم .. انا شخصيا اعتقد ان صناعة كيكة صغيرة او خياطة ثوب زفاف هما اكثر اهمية بكثير من عاشورا ومن ملايين عاشورا .. لانها اشياء وعلى بساطتها تحتفي بالحياة ..  بينما ملايين عاشورا تحتفي بالموت .. من هنا فالسؤال هو ليس :لماذا  يتجاهل العالم عاشورا .. السؤال هو لماذا على العالم ان يعير اهمية لعاشورا ..لماذا على العالم ان يشاهد رؤوس اطفال تشجها السيوف.. او وجوه قبيحة تغطيها الدماء .. فالانسان السليم عقليا عندما تخيره بين مشهد دم عاشورائي وبين اناقة ثوب زفاف فانه سيفضل الاناقة على القبح.. وفقط مريض نفسي يعتقد ان هناك ما يستحق اهتمام العالم في القبح الكربلائي.

تعالوا الان نتطرق لمسالة الارقام الفلكية .. لن اتوقف عند صاحبنا اللطمي الذي يعطي رقم ٣٠ مليون زائر .. كل له الحق ان يظل غبيا .. ولكنني ساتوقف امام ظاهرة تضخيم اعداد عاشورا هذا العام .. فـ"وكالة انباء قاسم عطا" صرحت ان عدد الزوار هذا العام قد بلغ  ١٧ مليون زائر .. لحسن حظ عقولنا ان هذه الارقام الفلكية لا يمكن تصديقها بسبب استهتارها بالقوانين اللوجستية .. من هنا فعدم مصداقية هذه الارقام ليست هي ما يشغلنا .. المهم في هذه الارقام يكمن في ظرفيتها.. فهي تذكرنا بمحاولات التضخيم التي جرت في السنوات الاولى للاحتلال .. فمن تابع عاشورا في سنوات الاحتلال الاولى يعرف ان "وكالة انباء قاسم عطا" اعطت انذاك ارقام مقاربة في فلكيتها لارقام هذا العام .. خلافا للارقام المتواضعة نسبيا في السنوات الاخيرة .

السؤال هو : لماذا تظهر هذه الارقام الفلكية من جديد اليوم كما حدث في عاشورا سنوات الاحتلال الاولى؟؟ والجواب هو الاستقطاب الطائفي السائد اليوم في المشهد السياسي العراقي .. وهو نفس الاستقطاب الذي كان سائدا في بداية الاحتلال.. من هنا فتضخيم عدد الزوار هو سلاح في المعركة مع الاخر .. كلما شعر قادة الشيعة بالقلق سياسيا لجأوا الى استخدام عدد الزوار كسلاح في المعركة.. من اجل نفخ الذات ورفع معنويات القطيع .. ونحن هنا امام ما يسميه علماء النفس بعملية التعويض الوهمي سايكولوجيا التي تقوم بها شخصية قلقة في وضع قلق .. وبهذا المعنى فان ظاهرة تضخيم اعداد الزوار تكشف عن السايكولوجية الشيعية الهشة في هذا الظرف.. ولكي نفهم هذه القلق الشيعي بشكل أفضل علينا ان نضع في الاعتبار الهشاشة الجيوشيعية مع اهتزاز النظام العلوي في سوريا والضغط الذي تتعرض له ايران عالميا.. من هنا فتضخيم اعداد الزوار هدفه رفع معنويات القطيع ورص الصفوف.

وهذا بالتحديد ما يكشفه الكتاب الرسمي (المرفق ادناه والذي وصلني من صديق) والذي عممته مؤخرا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على جامعات بغداد والجنوب .. وفيه تعليمات لهياكل الوزارة بنقل زوار اربعينية الحسين وتشكيل قافلة باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحت شعار "الحسين يجمعنا وطريقه يوحدنا" !! عندما نفهم هذا الشعار الموجه للجمهور الشيعي من اجل رص الصفوف ..سنفهم ان هناك قرار سياسي شيعي من اجل تضخيم ونفخ ارقام عاشورا هذا العام .. بالطبع سلوك وزارة التعليم العالي هذا لو حصل في احد البلدان الاوربية لقامت الدنيا ولم تقعد لانه يعتبر تسخير لاموال الدولة  لخدمة اغراض مذهبية .. وهو ما يشكل جريمة قانونية .. ولكن العراق اليوم هو "جمهورية موز" .. جمهورية هريسة !!  


في كتابه "احزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الاسلام"  يقوم فلهاوزن بتقييم شخصية الحسين الهشة وحادثة قتله عندما حاول الاستيلاء على السلطة قائلا:" ان الحسين مد يده كالطفل ليأخذ القمر. ادعى اعرض الدعاوى، ولكنه لم يبذل شيئا في سبيل تحقيق ادناها، بل ترك للاخرين ان يعملوا من اجله كل شيء. وفي الواقع لم يكن احد يوليه ثقة، انما قدّم القوم رؤوسهم يائسين. ولم يكد يصطدم باول مقاومة حتى انهار، فاراد الانسحاب ولكن كان ذلك متأخرا فاكتفى بان راح ينظر الى انصاره وهم يموتون في القتال من اجله، وابقى على نفسه حتى اللحظة الاخيرة. لقد كان مقتل عثمان مأساة (تراجيديا)، اما مقتل الحسين فكان مسرحية انفعالية (ميلودراما)". ( 
فلهاوزن ص. ١٨٧).

وهذا الطابع الميلودرامي (الفلمهندي) هو ايضا ابرز ما يميز الطقوس الباثولوجية لعاشورا .. والمطالبة  بضم اربعينية الحسين في موسوعة غينيس تدخل في هذا الاطار ..انا شخصيا اعتقد انه اذا كان ولابد من ادخال اربعينية الحسين في موسوعة غينيس فعلى اساس انه الحدث الاكثر تخريبا في تاريخ مجتمعنا ..لانه اسس لثقافة التشرذم والتذابح.. من هنا وخلافا لشعار قافلة وزارة التعليم العالي الميلودرامي : "الحسين يجمعنا وطريقه يوحدنا".. فان الواقع المأساوي على الارض العراقية يجعل من شعار "الحسين يشرذمنا وطريقه يفرقنا" !! اكثر تعبيرا عن هذا الواقع التراجيدي.