2009/08/16

الطائفية اشكالية شيعية

 لقد تصدى رجال الدين الشيعة لمشروع الدولة العراقية منذ بدايات التأسيس.. وفي وقوفهم ضد مشروع الدولة العراقية استخدم رجال الدين الشيعة حجتين رئيسيتين: الاولى هو ان الدولة العراقية الحديثة قامت تحت حكم المحتل البريطاني.. من هنا شعار "الانتخاب والتشريع غير جائز دينيا تحت حكم الكفار".. السنوات الستة الماضية كشفت ان هذه الحجة كانت حجة تكتيكية وليست مبدئية.. و مراسلات السيستاني مع بريمر تعطي دليلا قاطعا بهذا الخصوص.. دوافع معارضة رجال الدين الشيعة للدولة العراقية ومن منظور سوسيولوجي هي: لان مفهوم الدولة عابر للطوائف.. بمعنى ان قيام الدولة كان تهديدا لمراكزهم باعتبارهم قادة طائفة يمارسون سلطة على طائفة وينتفعون منها.. وكل مشاريع الدول التي تمتلك مراكز دينية قوية شهدت نفس الظاهرة في مرحلة التأسيس.. رجال الدين وقفوا دائما ضد مشروع الدولة لانه مشروع لا يستند الى الدين او الطائفة كأساس وإنما يقوم على اللغة/القومية والارض الخ.. ومحاربة الكنيسة المسيحية في روما لمشروع الوحدة الايطالية هو المثل الاشهر من بين امثلة كثيرة.

اما الحجة الثانية التي استخدمتها ثقافة اللطم ضد مشروع الدولة العراقية فهي تهمة الطائفية.. وهي حجة متأخرة تاريخيا قياسا للحجة الاولى.. وفحوى تلك التهمة انذاك هو ان السُنّة يسيطرون على اغلب مناصب الحكم..هُم افتوا بحرمة الخدمة في اطار الدولة العراقية ولكنهم بعد ذلك اخذوا يتهمون النخب السنية بالتمييز الطائفي.. من هنا مطالبتهم بكوتا طائفية.

منطق المعارضة هو الاتي..عندما تتهم الاخر بانه طائفي فانت تقول بنفس الوقت انك غير طائفي.. وعندما تتهم حكومة بانها طائفية فانت تقول بنفس الوقت بانك تحمل مشروع سياسي غير طائفي.. سواء أكان موقفا شخصيا خاصا او موقفا سياسيا عاما فالمضمون واحد.. انت تشير الى خطأ ما لأنك تهدف الى تصحيح الخطأ.. انت تعارض وضع قائم من اجل وضع اخر مأمول.. بمعنى اخر، لو كانت تهمتهم مبدئية لطالبوا بمبدأ المواطنة ثم الكفاءة في احتلال المناصب.. ولكنهم لم يكونوا رافضين للطائفية كمبدأ.. هم كانوا يريدون شكلا اكثر جذرية للطائفية.. وهوالشكل السائد اليوم والذي فخخ المجتمع العراقي.. اذا تهمة الطائفية هي ايضا كانت تهمة تكتيكية وليست مبدئية.

قلت سابقا اننا كنا طائفيون في البدء.. كلنا طائفيون في البدء .. الارض العراقية كانت تتكلم طائفي في البدء.. التنظيم الاجتماعي كان قائما على الطائفة.. على نظام الملة العثماني.. الدين/الطائفة كانا يشكلان البنية الاجتماعية المُنظمة للناس.. من هنا فان تصورات الناس كانت محكومة بالمنظور الطائفي للعالم.. وفقط سذاجة على الوردي (لكي لا اقول "شيعيته") تجعلة يلمح بترميز باطني وبلغة ملتوية ان عبد الرحمن النقيب كان "طائفيا" بينما الشيرازي كان "وطنيا".. فتاوى السيستاني المتعلقة بالصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي "بالصلاة ظاهريا معهم" ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال"..هذه الفتاوى ليست وليدة اليوم فعمرها قرون.. اذا وبلا مزايدات، كلنا طائفيون في البدء.. الاسلام كان عامل تفرقة بين العراقيين والزواج العبرطائفي كان ممنوعا اجتماعيا كما يقول حنا بطاطو:

Islam in Iraq was more a force of division than of integration. It split deeply Shi’i and Sunni Arabs. Socially they seldom mixed, and as a rule did not intermarry. In mixed cities they lived in separate quarters and led their own separate lives. (Batatu, the old social classes, p. 17)

بعد ثمانية عقود من تأسيس الدولة العراقية.. ثلت عوائل العراق اصبحت متزاوجة طائفيا بحسب تقديرات الامم المتحدة.. وهذا مؤشر سوسيولوجي وليس سياسي.. اذا الدولة العراقية ساعدت على الخروج من الغيتوهات الطائفية.. الدولة العراقية كانت مشروعا للخروج من الرؤية الدينية/الطائفية للعالم الى رؤية علمانية.. وهذا ما لم يقبله رجال الدين الشيعة.. وقراءة كتاب "اول الطريق" لـ صبيحة الشيخ داوود وهي اول طالبة جامعية عراقية مسلمة.. تُبيّن ان رجالات الملكية "السنة" اصطدموا ايضا برجال الدين السنة.. كما اصطدموا برجال الدين الشيعة.. نعم الدولة العراقية الحديثة تصادمت مع اطراف كثيرة "للسيطرة على وسائل العنف الشرعي".. وهذا هو تعريف الدولة بحسب عالم الاجتماع ماكس فيبر.. وهي في ذلك لا تشذ عن الدول الأخرى.

تعالوا الان نتكلم عن شيء في غاية الاهمية.. ولكي لا نذهب بعيدا في المقارنة، دعونا نكتفي بالدول العربية التي لها نفس عمر دولتنا ونفس الموروث الثقافي والتراكم المادي .. العنف، التعسف، الفساد هي ظواهر شائعة في كل الدول العربية.. وفي هذه الدول تقوم الحكومات "السنية" باستخدام العنف ضد اسلاميين "سنة" لانهم منافسيها على السلطة.. هل يجوز القول انها حكومات طائفية.. بالطبع لا.. هنا الظواهر السلطوية تسمى باسماء تنتمي لحقل السياسة: دكتاتورية، تعسف، توزيع غير عادل للثروات، مناطقية، زبائنية الخ من امراض المجتمعات التي لم تراكم مؤسسات مجتمع مدني.. واسباب تلك الظواهر السلطوية هي اسباب بنيوية ولا علاقة لمذهب الحاكم فيها.

ولكن نفس تلك الظواهر في العراق تم اختزالها بـ "مذهبية" الحكومة وبالنتيجة بطائفيتها: امراض السلطة في العراق عللتها ثقافة اللطم باسباب طائفية.. الحاكم التعسفي في العراق لايسمى تعسفيا او "سلطويأ" او مناطقيأ او مقيدأ للحريات الخ من المفردات السياسية.. ولكنه سني قبل كل شيء وبالنتيجة طائفي.. بتعبير اخر، ثقافة اللطم استخدمت وتستخدم المنظور الطائفي ليس لانه لا يوجد منظور اخر لرؤية وتحليل ونقد السلطة في العراق.. لا، لا.. هي قد استخدمت المنظور الطائفي لانها تريد "تطييف" الصراع في العراق.. استخدمت المنظور الطائفي لانها تريد الطائفية كأفق سياسي.. استخدمت المنظور الطائفي لانها تريد الطائفة كبنية للتنظيم الاجتماعي والسياسي.. لان الطائفة فقط هي من تحفظ لرجال الدين الشيعة ولأبناء البيوتات سلطتهم وبالتالي نفوذهم.. وهولاء كانوا ولازالوا المدافعين الرئيسيين عن الطرح الطائفي في العراق.. وحتى لو تطلب منهم ذلك تفجير اسواق فقراء الشيعة كما يحصل امامنا اليوم.

ثقافة اللطم، ماضيا وحاضرا، لا تقبل النظر للفعل السياسي في العراق من دون "عوينات" طائفية.. من هنا فهي ترفض طرح الفعل السياسي خارج اطار سلطة الامام الشيعي غائبا او حاضرا.. وهي تُحمّل الدولة العراقية التي اُسِسَت في بداية القرن العشرين مسؤولية ما دار في صريفة بني ساعدة قبل اربعة عشر قرنا.. وهي بعد هذا وذاك ترفع شعارات من مثل "كل ارض كربلاء وكل يوم عاشورا".. بتعبير اخر، اسقاط الماضي القرووسطوي وثاراته على الحاضر العراقي هو رياضة شيعية بامتياز.

باختصار .. المنظور الطائفي للفعل السياسي في العراق المعاصر هو اداة شيعية بامتياز.. ومن غذى وانتج الطرح الطائفي الحالي هي ثقافة اللطم.. لن اقول ان الطائفية الدينية في العراق هي مشكلة شيعية.. لا .. مثل هذا القول سيكون سطحي.. ولكنني اعتقد، مستندا الى كل ما تقدم، بأن الطائفية السياسية في العراق المعاصر هي منتج شيعي.. وبالتالي فان الطائفية الحالية هي اشكالية شيعية قبل كل شيء.
~~~~~~~~~~
بخصوص على الوردي .. قارن تكذيب الوردي وبدون ادلة مقنعة لشهادة المرزا محمد البوشهري الذي قال ان الشيرازي كان يرفض التقارب السني الشيعي (ص. 199، الجزء الخامس من اللمحات) مع تأكيد الوردي لقصة اقناع بيرسي كوكس للنقيب بتولى رئاسة الحكومة معللا اسباب قبول النقيب بكرهه "للمجتمهدين" الشيعة رغم انه لايمتلك في قصة النقيب شهادة قاطعة ويبني حجته فقط على جملة "المعروف عن النقيب مقته للمجتهدين الشيعة"(ص. 22، الجزء السادس من اللمحات) كما لو ان المجتهدين الشيعة كانوا يعشقون "علماء" الدين السنة !!

هناك 4 تعليقات:

  1. تحية معطرة لك اخي العزيز

    ارى ان الطائفية هي اشكالية الفكر الديني بصورة عامة او لنقل اشكالية رفض الاخر بصورة ادق فلان الحق له طريق واحد برايهم فالمخالف هو انسان ادنى اعتبارا باحسن الاحوال او يجب تصفيته باسواها.... اذا كان من اختلاف فهو بالدرجة..
    نعم كلنا طائفيون بشكل او باخر لكني ارى ان الطائفية الشيعية قد حوربت من قبل ابنائها قبل غيرهم...وهي مفضوحة...لكن ماذا عن تنامي الطائفية السنية وشيوع الفكر السلفي الجامد بين ابنائها..الا تستوجب منا وقفة اليس هذا نكوصا وتراجعا بين الطائفة التي كانت رائدة النهضة الفكرية في العصر الحديث...
    ان مانراه اليوم في العراق لشيء كارثي حتى لكان الناس قد مسخت ولا فرق بين ذا وذا فكلهم سواء الا من رحم...

    ردحذف
  2. أنت تقول بأن الزواج الغير طائفي كان ممنوعاً اجتماعياً وليس دينياً فكيف يكون الإسلام عامل تفرقة بين العراقيين ؟؟ الإسلام لم يمنع طوائفه المختلفة من التآخي مع بعضها , هل تعلم منذ متى والإسلام موجود بالعراق ؟ ولكن منذ متى بدأت حرب المذاهب ؟ الفرق كبير جداً ولكن في كل نزاع طائفي بل وديني أيضاً فتش عن يد السياسي الذي خدعنا باسم الدين لنلقي اللائمة في نهاية الأمر على الدين نفسه !!

    ردحذف
  3. peace

    بدأ الإسلام بالعراق بحرب الجمل ، و هي أول حرب طائفية بالإسلام.

    ردحذف
  4. غير معرف30 أكتوبر, 2009

    من يكتب في المدونة يجب أن تكون لديه غاية وهي أما أن تكون إنسانية علمية أو خبيثة، ويبدو أن غايتك من كتابة هذه المقالة تسليط الضوء على تاريخ الطائفية في العراق، وتذكير العراقيين سبب إقتتالهم خصوصاً بعد الهدوء الذي عم العراق خلال السنتين الماضيتين. لذا أطلب منك (كعراقي أولا وأخيراً) راجياً وطلبي ليس فيه رجاء أن توجه سيف قلمك إلى أعداء العراقيين وتذود عن بلدك بدل تقطيقه وتصنيفه.  

    ردحذف