2008/12/23

صورة السلطة .. وسلطة الصورة في عولمة لغة الحذاء

صدام حسين في السلطة كانت له "صورة" .. وصورة صدام في السلطة كانت صورة مبالغ فيها لانها صورة سلطة .. صورة مفروضة من قبل سلطة وتحمل تصورات سلطة .. وطابعها المفبرك التي امتازت به ناتج عن كونها بالتحديد صورة سلطة .

بعد احتلال العراق حاول خبراء الحرب النفسية في المخابرات الامريكية ان يطيحوا بـ "صورة" صدام هذه .. فمن اجل انهاء حقبة ما لابد من ضرب "صورة" الحقبة ورمز الحقبة .. من هنا صورة الحفرة المفبركة : صدام بلحيته وشعره "المنفوش" والضابط الامريكي يفحص فمه .. ولكن صورة "السي آي اِي" هذه كانت ايضا "صورة سلطة" .. وطابعها المفبرك كان صارخا .. ومبالغة خبراء "السي آي اِي" في مسرحة الاهانة في تلك الصورة دفعت الكثيرين من معارضي صدام للتعاطف معه كرد فعل ضد مبالغة تلك الصورة .. فالناس يكرهون مبالغات صور السلطة .

لقد اعتقد خبراء الحرب النفسية في "السي آي اِي" ان صورة الحفرة المفبركة ستكون صورة صدام الاخيرة .. الصورة التي سيحفظها التاريخ لصدام .. ولكن الصورة التي تركها صدام للتاريخ هي صورة اعدامه .. لماذا ؟ لانها لم تكن صورة سلطة .. صورة الاعدام كانت صورة غير مفبركة .. وقوتها تكمن هنا .. صلابة صدام امام حبل المشنقة مقابل غوغائية العصابة التي كانت حوله .. "عفوية" التصرفات من جانب وحيوانيتها من جانب اخر هي التي صنعت قوة تلك الصورة .. تلك العفوية منحت صورة الاعدام قيمة وثائقية .. قيمة تاريخية .

صورة منتظر الزيدي راميا فردتي حذاءه على الرئيس الامريكي تنتمي الى هذا الصنف من الصور .. قوتها متأتية من كونها ليست صورة مفبركة ككل صور السلطة .. بمعنى انها صورة لم تُعد وتُدرس مسبقا كما كل صور السلطة .. لقد كانت حركة عفوية بارعة داخل ديكور وشخوص وحركات مدروسة ومعدة مسبقا .. وقيمتها السياسية، وهنا الاهم، متأتية من كونها نقض لطقوس ومراسم سلطة .. ومن ركزوا باجترار سخيف على بعدها الثقافي ( قيمة القندرة في الثقافة العراقية او العربية) لم يفهموا شيئا من البعد السياسي الهائل الكامن في صورة الحذاء .. كونها فض ورفض لطقوس ومراسم سلطة الامبراطورية .. وهذا البعد السياسي هو ما جعل العالم من طوكيو الى كاراكاس يفهم " لغة الحذاء" رغم اختلاف الثقافات .

لقد حاول بوش ان يعطي لنفسة صورة المحارب يوم هبط على حاملة الطائرات الامريكية بلباس الطيار وخلفه عبارة " تم انجاز المهمة" .. ارادها صورة يحفظها له التاريخ .. ولكنها كانت صورة سلطة .. صورة مفبركة .. صورة تمت مسرحتها من قبل فريق الرئيس الاعلامي .. ويشاء القدر ان العراق الذي دمره بوش هو من يعطي بوش صورته التاريخية .. لن يُذكر بوش بعد الان من دون ذكر واقعة القندرة .. صورة الحذاء هي الصورة التي سيحفظها التاريخ لبوش .. نعم "سيادة الرئيس" .. " تم انجاز المهمة" !!

2008/12/17

هاملت عراقي في مسرح فرجة



الحرب صور .. معركة صور ..وخلف الصور ومراسم الصور هناك دائما تصورات يراد فرضها.. وزيارة بوش الأخيرة لبغداد كانت "زيارة صور" .. من اجل "اعطاء صورة" .. بمعنى فرض تصورات فشلت أضخم آلة إعلامية بفرضها في عراق الاحتلال .. أمريكا في العراق قد خسرت معركة الصورة منذ فترة طويلة .. وحذاء منتظر الزيدي ليس الا "الضربة القاضية" في هذا النزال .. في معركة الصور حذاء منتظر هو الـ " كش مات" .. انتهت اللعبة "سيادة" الرئيس ..انتهت المسرحية .. ستارة .. والى كواليس مزبلة التاريخ المظلمة حيث سيلاحقك للأبد شبح القندرة .

نعم انتهت المسرحية .. فالسياسة البوشية لم تكن اكثر من"مسرح فرجة".. وبوش جاء بغداد قبل ايام لكي يقدم "فرجة" أخيرة لكوكب الكوكاكولا .. وفريق الرئيس الإعلامي كالعادة قد اشرف على كل شيء : من ديكور الصالة الممل .. الى توزيع مواقع الكراسي والكاميرات .. وانتهاء بانتقاء "الصحفيين المرافقين" للرئيس على نفس الطائرة ومن يحق له من بينهم بطرح الأسئلة اثناء المؤتمر الصحفي .. اكشن : مصافحة "للمملوك" الذي لم يعلم مسبقا بموعد زيارة سيده .. إيماءة هنا .. ضحكة هناك .. وتعليق ساخر يلتف على السؤال لكي يلغي السؤال ..الخ من اسلحة الغباء الشامل .. كل ذلك بخفة واستخفاف من يعيشون في قصور المناطق الخضراء او الكواكب الأخرى .. فالهدف هو تقديم صورة مغايرة للواقع ..صور وتصورات تخون الواقع .

امام هكذا استخفاف عاهر بالواقع انتفض منتظر.. فحذاء منتظر هو رفض لمسرح الدمى الذي يسمي الاحتلال تحرير ويسمي المقاومة ارهاب ويسمي الدمار تحسن امني ويسمي الانتداب معاهدة امنية .. حذاء منتظر هو رفض لهذا العهر الاعلامي ..وهو تذكير بحقائق الارض والواقع التي يحاول مسرح الفرجه ان يخفيها .. حذاء و خصوصا كلمات منتظر ارادوا تذكير بوش وصحافة الفنادق و"كوكب الكوكاكولا" بالمقبرة الجماعية التي صنعها الفهم "المسرحي" للسياسة .

حذاء وكلمات منتظر ارادوا فرض لغة جدية .. نعم لغة جدية لمواجهة خفة واستخفاف مسرح الفرجة .. منتظر اراد فرض لغة شكسبيرية رصينة امام الماساة العراقية.. فلغة بوش المستخفة امام المأساة هو ما لم يتحمله منتظر .. وكل تحويل لـهذا الفعل الشجاع الى مجرد فعل ساخر اونكته او لعبة انترنيت هو مساهمة في اعادة منظور مسرح الفرجة للماساة العراقية .. ومنتظر ذهب الى اقبية التعذيب من اجل ان لا تختفي الماساة عن الانظار ..من اجل ان يلتفت العالم الى عذابات وجراح الملايين من الايتام والارامل والمشردين .. ومن اجل ان لا تسود لغة "الدمى".

2008/11/30

العراق بين انتدابين .. الماضي الذي لم يمضي




اليوم وبعد ان تم توقيع "المعاهدة الامنية" تكتمل دورة كاملة في تاريخ العراق المعاصر .. الان نستطيع ان نتكلم عن "عراق بين انتدابين" .. لقد عرف العراق بالامس مرحلة الانتداب البريطاني وهو اليوم يجرب مرحلة الانتداب الامريكي .. وحاضر "الانتداب الامريكي" يُحفز على إعادة قراءة لماضي الانتداب البريطاني .. لقد عارضت المرجعية الشيعة ممثلة بـ مهدي الخالصي الخرساني الانتداب البريطاني.. وقد بررت موقفها من الانتداب الاول بشعار "الانتخاب والتشريع غير جائز دينيا تحت حكم الكفار" .. حتى ان ابو الحسن الاصفهاني ذهب حد "تحريم الزوجة ودخول حمام المسلمين" لمن يشارك بانتخابات المجلس التأسيسي الذي مهد للانتداب البريطاني !! تحريم الزوجة ثابت حوزوي !! بالأمس استخدم كتهديد لمنع المشاركة بالانتخابات !! ولكنه اليوم يستخدم كتهديد من اجل الحث على المشاركة بالانتخابات واختيار القائمة الشيعية كما حدث في الانتخابات الاولى !

المرجعية الشيعية ممثلة بالسيستاني قد باركت الانتخاب "تحت حكم الكفار" وهي بنفس المنطق تبارك الانتداب الامريكي اليوم .. والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا الرفض بالامس والقبول اليوم ؟؟؟ ما الذي تغير تحت السماء العراقية ؟ جنسية المحتل ؟ نعم .. ديانته ؟ كلا .. هل البريطاني كافر والامريكي غير كافر !! بالطبع لا .. كلاهما " كافر" اذا ما استندنا الى المبدأ الاسلامي الذي سخرته المرجعية الشيعية من اجل الرفض الاول .. ويبقى السؤال : ما الذي تغير لكي تقبل المرجعية الشيعية اليوم ما رفضته بالامس ؟

انا شخصيا لا أرى إلا عنصر واحد قد تغير في المعادلة العراقية .. وسلوك المرجعية الشيعية اليوم يعيننا على تحديد هذا العنصر.. مهادنة المرجعية الشيعية للانتداب الأمريكي اليوم يبين لنا انها قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا كما سوّقت المحكية اللطمية .. كيف لنا ان نصدق هذا التبرير الساذج وهم اليوم يتناولون "الفسنجون" مع مبعوثي العم سام !! سلوك المرجعية الشيعية اليوم يقول لنا ان المرجعية رفضت الانتداب البريطاني لان "كفار" الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا من "الشيعة" .. اما وقد اعتمد "كفار" اليوم على "الشيعة" في تمشية امور احتلالهم فان المرجعية الشيعية تبارك الانتداب الامريكي ..اذا فوجود "الكافر" او عدم وجوده ليس مهما في "حسبة" المرجعية الشيعية .. المهم عندها هو هل يعتمد هذا "الكافر" على شيعي ام على غير شيعي .. هذا هو معيار المرجعية الشيعية لقبول او رفض عملية المحتل السياسية .. وقبول المرجعية الشيعية بالعملية السياسية تحت ظل الاحتلال الامريكي قد كشف هذا المعيار الباطني .. ومراسلات السيستاني مع بريمر تؤكد ذلك .. باختصار .. مباركة المرجعية الشيعية للانتداب الامريكي اليوم يفضح كذب ادعاءاتهم التي برروا بها رفضهم للانتداب البريطاني .

الحاضر يمكّننا هنا من رؤية الماضي بلا رتوش المحكية اللطمية التي طالما ارهقتنا بمزايداتها عن دوافع "ثورة" العشرين .. المرجعية الشيعية قد رفضت الانتداب البريطاني ليس لانه غير جائز اسلاميا ولكنها رفضته وحاربته لان "كفار الامس اعتمدوا على اشخاص ليسوا شيعة ..اذا فالعنصر المتغير في المعادلة العراقية والذي يشرح ما تغير في سلوك المرجعية الشيعية اليوم هو ان الحكومة التي استند اليها البريطانيون بالامس لم تكن شيعية .. اقول انها لم تكن حكومة شيعية .. وهذا لايعني انها كانت "سنية" كما تقول ثقافة اللطم .. فمن حكموا العراق من "السنة" لم يحكموا العراق وفقا لمذهب ابو حنيفة او تعاليم ابن تيمية .. لقد حكموه وفقا لايديولوجيات سياسية مختلفة ومتقاتلة حد الدم .. ولكنها لم تكن نابعة من تصورات مذهبية سنية .. ساسة الشيعة اليوم لا يتخذون قرارا من دون الرجوع الى المرجعية الشيعية .. وهذا لم يحصل على مدى حكم "السنة" في العراق ..سلطة الحاكم كانت فوق سلطة رجل الدين .. وهذا هو الفرق الجوهري بين علمانية الحكم "السني" و ثيوقراطية الحكم الشيعي الحالي .

ان ما يبدو اليوم تناقضا ظاهريا في موقف المرجعية الشيعية هو منطق مترابط اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك في المذهب الشيعي مبدأ يقول بان أية حكومة لا تستند في شرعيتها الى "ولاية الامام" فهي حكومة مغتصبة للسلطة ولا ينبغي التعاون معها .. و"نظرية" ولاية الفقية ما هي الا تعديل طفيف على هذا المبدأ من اجل اعطاء صلاحية الامام الى الفقيه .

فقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم موقف رجال "الدين" الشيعة من الدولة العراقية الحديثة .. وفقط عندما نفهم هذا المبدأ نفهم لماذا تنعت ثقافة اللطم الدولة العراقية "بالدولة السنية" .. كل حكومة حكمت العراق المعاصر هي "سنية" فقط لانها حكومة لا تستند الى شرعية "ولاية الامام".. أي لان الحاكم ليس شيعيا : ينتفض عراقيين "سنة" في حركة مايس ضد حكومة من نفس مذهبهم ولكنهم يضلون "سنة" وفقا لهذا المنطق .. يقوم "الضباط الاحرار" واغلبيتهم الساحقة من "السنة" بانقلاب دموي ينهي الحكم الملكي "السني" ولكنهم يضلون "سنة" .. يقوم البعثيون بانقلاب على القوميين ولكنهم يضلون "سنة" .. رغم اختلاف المشارب السياسية والعقائدية والخلافات العميقة بين هولاء الا ان ثقافة اللطم لا ترى فيهم غير "سنة" .. لماذا ؟ لان كل ما هو غير شيعي فهو بالضرورة "سني" كما يحتم المبدأ الضدي المذكور اعلاه : المذهب هو معيارالحكم الوحيد في ثقافة اللطم .

السلطوية ، التعسف، العنف بحق الشعوب هي ظواهر شائعة في كل الدول العربية .. وفي هذه الدول تقوم الحكومات "السنية" باستخدام العنف ضد اسلاميين "سنة" لانهم منافسيهم على السلطة .. هل يجوز القول انها حكومات طائفية .. بالطبع لا .. هنا الظواهر السلطوية تسمى باسماء تنتمي الى مفردات حقل السياسة : دكتاتور .. تعسف .. توزيع غير عادل للثروات .. مناطقية .. زبائنية الخ من امراض المجتمعات التي لم تراكم مؤسسات مجتمع مدني .. واسباب تلك الظواهر السلطوية هي اسباب بنيوية ولا علاقة لمذهب الحاكم فيها .. ولكن نفس تلك الظواهر في العراق تم اختزالها بـ "مذهبية" الحكومة وبالنتيجة بطائفيتها : امراض السلطة في العراق عللتها ثقافة اللطم باسباب طائفية .. الحاكم التعسفي في العراق لايسمى تعسفيا او "سلطوي" الخ من المفردات السياسية.. ولكنه سني قبل كل شيء وبالنتيجة طائفي .. لماذا .. لانه ليس شيعيا ولا يتمتع بشرعية "ولاية الامام" او نوابه من "ايات اللة" .. وبما انه غير شيعي فهو مغتصب للسلطة وطائفي .. من هنا فكل حكومة غير شيعية كانت حكومة "طائفية" بنظر ثقافة اللطم .. ونفس هذه "العصابية" المذهبية تقف وراء رفض انتداب الامس وقبول انتداب اليوم .

2008/11/17

انها تمطر قنادر

وائل عبداللطيف زعيم ما يسمى بـ «حزب الدولة» (أية دولة!!) قدم قبل ايام الى مفوضية الانتخابات اكثر من 34 الف طلب موقعة من سكان البصرة يطالبون فيها بإعلان مدينتهم اقليما فيدراليا .. مروّجي مشروع "اقليم البصرة" يقولون انهم يستندون في طلبهم الى مبدأ الفيدرالية الذي كفله "الدستور" .. ولكنهم لا يترددون عن استخدام تعبيرات من مثل "حق تقرير المصير" و "دولة البصرة " و"شعب البصرة" !! هنا كما في "برزانيستان" الاقليم الفيدرالي على المدى القريب ما هو الا مدخل من اجل "الدويلة" على المدى البعيد .

النزعة المناطقية معروفة في العراق .. امس كما اليوم.. والبصرة لاتشذ في ذلك .. ولكن ما يميز البصرة هو ان نزعتها المناطقية قد اخذتها يوما ما الى حدود المطالبة بعدم الانضمام الى دولة العراق .. وكان ذلك قبل وبُعيد تأسيس الدولة العراقية بقليل .. آنذاك ايضا قدم لفيف من تجار البصرة "عرائضهم" وطلباتهم الى الحاكم البريطاني من اجل عدم ضم البصرة الى دولة العراق .. وتشاء الصدف ان قائد حملة انفصال البصرة انذاك كان ايضا يحمل اسم "عبد اللطيف" .. وهوعبد اللطيف باشا المنديل .. المنديل وخلفه كبار تجارالبصرة كانوا يحلمون بوضع مدينتهم تحت الوصاية البريطانية كما تروي المس بيل في رسالتها بتاريخ 1921.6.23 .

دوافع الانفصال آنذاك لم تكن التهميش والإهمال كما هي دوافع اصحاب المشروع اليوم .. فالبصرة آنذاك كانت تعيش في بحبوحة اقتصادية .. دافع الانفصال انذاك كان الهروب من المدن الفقيرة المحيطة بالبصرة ومشاكل وقلاقل الفرات الاوسط .. البصرة انذاك كانت مدينة ذات اغلبية سنية.. والتجار واعيان البصرة الذين قدموا عرائض الانفصال كانوا من المذهب السني .. مما يعني ان العامل المذهبي لم يكن فاعلا في سلوك هولاء "السنة" الذين كانوا يريدون الانفصال عن "الدولة السنية" كما تسميها ثقافة اللطم .. وهذا يحيلنا إلى المهم في مشروع "اقليم البصرة" اليوم .

البصرة اليوم ذات "غالبية" شيعية ولكنها تتذمر من "النازحين" الشيعة من العمارة والناصرية .. وهي ترفض الانضمام الى مشروع عصابة الحكيم وتقاسم ثرواتها مع باقي الشيعة .. باختصار الهم البصري هو هم"مناطقي" يستند الى حسابات اقتصادية وليس هم مذهبي قانع بصحن هريسة هنا وصحن "قيمه" هناك .. نداء الثروة النفطية هو اقوى عند هولاء البصريين من الروابط المذهبية .. اصحاب مشروع اقليم البصرة وبطريقة غير مباشرة يقولون لعصابة آل الحكيم : خذوا صحون "هريستكم" التي تتصدقون بها علينا .. بامكاننا ان نأكل "فسنجون" مثلكم !

نحن هنا امام ما يمكن تسميته بـ "سياسة الكعكة".. البصرة قد سئمت "خبز العباس" .. البصرة تريد "كاتوو".. ومن اجل ان تأكل البصرة "كاتوو" تُرفع شعارات"البصرة للبصريين" و"نفط البصرة للبصرة" !! وبهذا المعنى فان مشروع "اقليم البصرة" الحالي يشكل رفسة بمؤخرة " جاموسة المظلومية المقدسة" التي "نفختها" عصابة آل الحكيم من اجل تكريس مشروعهم لحكم الوسط والجنوب .. وائل عبد اللطيف يقول بخصوص مشروع "اقليم الوسط والجنوب" : "بدأنا العمل قبلهم، ولا علاقة لنا بباقي الاجندات والطروحات الاخرى" .. بتعبير اخر، مشروع اقليم البصرة هو خروج عن الاطار المذهبي الذي تريد عصابة آل الحكيم فرضه على الجنوب .. الجنوب كما يبدو "جنوبات" .

كم كانت الامور سهلة بالنسبة لثقافة اللطم عندما كانوا يستلمون "الحقائب" في اقبية المخابرات الاقليمية .. آنذاك كان يكفيهم قول "امبريالية السنة" لكي تدمع عيون "الجنوب" .. كان يكفيهم الضرب على الوتر الطائفي المنغم بالضدية المناطقية لكي تنفجر الصدورغضبا على "الدولة السنية" .. وفقر العقدين الأخيرين قد سهل من مهمة الشعارات اللطمية المغمسة بالوعود المعسولة .. قالوا لهم ابشروا فحكم "احفاد آل البيت" قادم .. قالوا لهم ان السماء ستمطر مُصلحين .. قالوا لهم ان السماء ستمطر "مُخلّصين" .. ولكن خمس سنوات سلب ونهب من قبل شركة "احفاد آل البيت" كانت كافية لازالة الغشاوة عن عيون ضحايا الوعود الكاذبة.. لقد انتظر "الجنوب" سقوط "الخير" .. ولكنها امطرت "قنادر" .. امطرت لصوص وسرسرية و"ايات اللة بزنسية" تستثمر خمس الفقراء في "عواصم الكفر" كما يسمونها .

الحرامية من رافعي مصاحف الطائفية قد يستطيعون خداع بعض اهل الجنوب كل الوقت .. لكنهم حتما لن يستطيعوا خداع كل اهل الجنوب كل الوقت .. فالواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية .. مشروع اقليم البصرة يؤكد ثابت الهويات المناطقية التي حاول مشروع اقليم "الوسط والجنوب" المذهبي ان يخفيها .. وتذمر سكان البصرة من النازحين الشيعة اليها من العمارة والناصرية ليس استثناء .. تذمر اهالي النجف من الشروكية كان اسبق وهو ايضا يحكي عن الهويات المناطقية المستفحلة تاريخيا في الجنوب .. ولنا ان نتذكر ما قاله محافظ النجف الذي رفض اقامة مخيمات انسانية للمهجرين الشيعة في اطراف النجف وتركهم يعيشون في ظروف مزرية بحجة ان "النجف تريد الحفاظ على هويتها" !!

التاريخ الذي همشته المحكية اللطمية ينتقم اليوم ..
فالتاريخ يقول لنا ان كلمة "شروكي" ومضمونها التحقيري هي تسمية استخدمها اول من استخدمها سكان"الجنوب" القاطنين قرب الفرات لنعت سكان الجنوب الشرقي القاطنين قرب دجلة .. ثقافة اللطم حاولت وتحاول ان تُعطي للكلمة بُعدا طائفيا كما لو ان التسمية كانت من اختراع اهل بغداد السنة .. ولكن لا .. "الشروكي" هو نعت تحقيري صادر عن"مناطقي" شيعي بحق شيعي "اخر" .. وهو نعت تحقيري يحكي تاريخ مناطقية متورمة.. يحكي تاريخ "جنوبات" متنابذة .. الواقع مقبرة للشعارات .. فما بالك بشعارات يرفعها حرامية

2008/10/31

حين تدوس البغال والحمير المارة


هنا حوار عن الديمقراطية بين عبد الرحمن النقيب وشيخ من عشيرة شمر تنقله لنا المس بيل في احدى رسائلها الى ابيها بتاريخ 1921.8.21 .. سخرية النقيب لذيذة .. ولغة المس بيل، هنا كما في جميع رسائلها، مدهشة :


And since I'm telling you stories I must tell you one about the Naqib. It hangs on to what I was relating to you last week on the subject of al Damakratiyah. It was the Naqib to his huge delight - he's by every instinct an aristocrat and an autocrat if ever there was one - who gave currency to the word by announcing in the Council that Faisal should be king of a constitutional democratic state. He did this with his tongue in his cheek, you understand, in order to catch the public. The other day a Shammar shaikh up from Hail drops in to call. "Are you a Damakrati?" says the Naqib. "Wallahi, no!" says the Shammari, slightly offended. "I'm not a Magrati. What is it?" "Well" says the Naqib, enjoying himself thoroughly "I'm shaikh of the Damakratiyah, the Democrats." "I take refuge in God!" replied the shaikh, feeling he had gone wrong somewhere. "If you're the shaikh of the Magratiyah, then I must be one of them, for I'm altogether in your service. But what is it?" "Damakratiyah" says the Naqib "is equality. There's no big man and no little - all are alike and equal." With that the bewildered Shammari plumped onto solid ground. "God is my witness!" said he, seeing his tribal authority slipping from him "if that's it, I'm not a Magrati."

كلمات النقيب اليوم تكتسب طابع الكوميديا السوداء اذا ما وضعناها ضمن اطار الخراب الهائل الذي خلفته "الديمقراطية" بنسختها "البول بريمرية" .. وجملة الشيخ الشمري الاخيرة في هذا الحوار تستحق التوقف عندها : " اذا هاي هيه الديمقراطية فاني مو مغراطي" ..ورغم اختلاف الدوافع التي تجعل الشيخ يقول ما يقول فنحن هنا امام جملة نجد تنويعاتها في عراق اليوم .. فمثل هذه الجملة رددها الكثير من العراقيين الذين عاشوا مخلفات "ديمقراطية" العم سام المحمولة جوا ..الديمقراطية بنسختها "البول بريمرية" قد اضحت في مخيلة كثير من العراقيين اليوم مرادفا للفوضى ..ولسان حال العراقي اليوم يقول مقولة الشيخ : "اذا كانت هذه هي الديمقراطية فنحن لسنا بديمقراطيين" .. فعندما تُفهم المصطلحات فهم شعاراتي .. فهم ايديولوجي .. فان المصطلحات تتحول الى اسلحة دمار شامل .

الكارثة العراقية قد اعادت للكثير من الكلمات معاني غيبتها الشعارات .. ومفردة الديمقراطية واحدة من تلك الكلمات التي حمّلتها الشعارات باكثر مما تحتمل .. واستحضار المسار التاريخي لمصطلح الديمقراطية مفيد لفهم المغيب .. مصطلح "الديمقراطية" /حكم الشعب هو من اصل اغريقي .. وعلم الاجتماع السياسي قد بيّن ان الاغريق اعطونا المصطلح  السياسي ولكنهم لم يحققوا النموذج الديمقراطي .. على الاقل ليس بالمفهوم الحديث للديمقراطية .. ومفردة الديمقراطية عند فلاسفة اليونان ظلت تحمل معنى سلبي .. حتى ان افلاطون كان ينعت الديمقراطية بحكم الغوغاء/العامة "حيث تدوس البغال والحمير المارة في الشارع " بحسب تعبيره الشهير .

وهذا المعنى السلبي للديمقراطية ظل ساريا في الفكر السياسي الغربي حتى منتصف القرن التاسع عشر .. وهذا حتى عند اغلب "الاباء المؤسسين" للديمقراطية الامريكية التي تعتبر "الديمقراطية" الاولى في العصر الحديث.. الفكر السياسي الغربي كان يعتقد حتى وقت قريب ان المشاركة في الفعل السياسي او الاشتغال في الشأن العام يتطلب شروط امكانية .. واول تلك الشروط هو توفر الاكتفاء المادي الذي هو اساس لتطوير الملكات والسلوكيات الانسانية القويمة .. أي توفر ما تسمية الادبيات السياسية بـ"الفضيلة" عند المتصدي للفعل السياسي .. وهذه خصلة ليست مبذولة للجميع وخصوصا للفقراء المسحوقين بضرورات معيشتهم القاهرة .. ضمن هذا الاطار ينبغي فهم مقولة صاحب "العقد الاجتماعي" جان جاك روسو :"الفقير لا يفكر بنبل" .. وضمن هذا الاطار ايضا ينبغي فهم التصنيف الذي يقوم به ايمانويل كانط حين يفرق بين "المواطن الايجابي " القادر على اعالة نفسه وبين "المواطن السلبي" المحاصر بالفقر والفاقة .. وهو يقول لنا ان الشان السياسي او الفعل السياسي ( الانتخاب مثلا) ينبغي ان يكون من حق "المواطن الايجابي" فقط .

واذا ما وضعنا ما يقوله كانط في الاطار العراقي فهو يعنى ما يلي : بين تهديد المليشيات له بفقدان الحصة التموينية اذا لم يصوت لها وبين الاختيار الحر الذي هو اساس الديمقراطية فان "عبد السادة" سيختار الحصة التموينية .. بين الاختيار الحر وتهديد فتوى تحريم زوجته اذا لم يختار قائمة الشمعة، فان "عبد السادة" سيختار التصويت "للشمعة" .. باختصار.. ايمانويل كانط يقول لنا ان للفعل السياسي شروط وان "عبيد السادة" المسحوقين بالفقر والجهل لا يستطيعون ممارسة الفعل السياسي بصورة صحيحة .. وان "لطميات الاصابع البنفسجية" لاتخلق ديمقراطيات .

حتى توكفيل، المفكر الفرنسي الذي هو اول من اعطى لمصطلح الديمقراطية معناه الايجابي الحديث في كتابة الشهير "الديمقراطية في امريكا" ..توكفيل ايضا يقول بضرورة توفر شروط امكانية من اجل فعل سياسي ناضج .. من هنا مقولته الشهيرة : "اضمن لي ثلاثين سنة تقاسم "ثروة" عادل وصحافة حرة، ساعطيك جمهورية".

باختصار.. هناك شروط امكانية للديمقراطية من دون توفرها كما هو الحال في النسخة "البول بريمرية" ، فان "البغال والحمير ستدوس المارة في الشارع" .. وما لم يقله افلاطون .. نستخلصة من ارسطو.. ارسطو يعتبر الخروف اغبى الحيوانات .. عندما انظرُ الى مسيرات "قطعان الغنم" التي تسمى "مليونيات" .. اصدق ارسطو : "قطعان الغنم" لا تخلق ديمقراطيات
.

2008/10/15

شخابيط بقلم "احمر" باهت


يقال انه "قيادي" شيوعي عمل في الفرات الأوسط ذات عراق .. وهو اليوم ينشر كتاب ليقوم بمراجعة نقدية لتجربته الحزبية .. تستوقفني جملة في "مراجعة" هذا "الرفيق" جاءت ضمن مقال يستعرض كتابه هذا في الحياة : «لقد أتاحت ثورة الرابع عشر من تموز إمكانات كبيرة أمام الحزب من بينها الدعوة لإشاعة الديمقراطية في البلاد وإنهاء حكم الفرد وحال الطوارئ وإلغاء المحاكم العسكرية في البلاد وجعل هذه المهمة لها الأولوية. وكان هذا بالطبع يتطلب أن تمارس هذه الديمقراطية في صفوف الحزب الشيوعي أولاً وبعد الثورة مباشرة وذلك من طريق عقد مؤتمره وانتخاب قيادته بدلاً من اللجوء إلى أسلوب التقديمات إلى القيادة والتي أثبتت الوقائع بأنها كانت البلاء على الحزب وانعكس تأثيرها السلبي على مسيرة الشعب والحركة الوطنية»" .. انتهى

لا جديد .. نحن هنا امام نفس الاسطوانة المعروفة في "المحكية" الشيوعية العراقية والتي استخدمها حتى من كانوا "قيادات" داخل تلك "القيادات".. بمعنى شخصنة المشكلة بما يؤدي الى ان كل شيوعي يرمي بالمسؤولية على الاخر "الفوقي" .. لم لا.. جيل " نفذ ثم ناقش" يمارس اليوم " النقد والنقد الذاتي" .. خصوصا بعد ان ربط الحزب الشيوعي العراقي "مطرقته ومنجله " بمؤخرة "همر" العم سام !! من "فلتسقط الامبريالية" ايام الاحتلال البريطاني الى "فلتحيا الديمقراطية الامريكية".. الاجترار واحد .. اذهب وحاول ان تقرأ ما بين السطور لماذا كان الاحتلال في السابق "امبريالية" واليوم "ديمقراطية !



ولكن ما "يصفع" الانتباه في جملة "الرفيق" يكمن في مكان اخر .. في جملة "الرفيق" هناك شيئان اسمعهما للمرة لاولى في حياتي .. "المعلومة" الاولى هي ان عراق ما قبل "ثورة" تموز 1958 كان يعيش تحت نظام "حكم الفرد"!! اما "المعلومة" الثانية فهي ان "اشاعة الديمقراطية في البلاد" كانت من بين اولويات الحزب الشيوعي العراقي .. "ماركس ابو دشداشة" معروف بفضفاضية مصطلحاته .. وهو مشهور بقابليته على اجترار المفردات بميكانيكة يحسد عليها .. ولكن "الرفيق" هنا يذهب الى فضاءات ضحالة غير مكتشفة سابقا !! فعبارة "انهاء حكم الفرد" في جملة هذا "الرفيق" تنتمي الى ما يسمى بالمضحك المبكي .. خصوصا اذا علمنا ان "رفيقنا" هذا القادم من الفرات الاوسط لم "يتحرر" من سلطة وسياط الشيخ إلا بفضل قيام الدولة العراقية التي نهض بها رجالات الملكية .. ناهيك عن ان شوارع بغداد لم تعرف قبل الشيوعيين شعارات من مثل " ماكو زعيم إلا كريم !

مذهل ان هذا "الرفيق" ما زال وبعد كل تلك العقود يجتر "هوسات" حزبه .. ومذهل انه ما زال يغط في فهم "شعاراتي" للتاريخ العراقي مما يجعله ينعت نظام الحكم في عراق ما قبل تموز 1958 بـ "حكم الفرد" .. فـ "حكم الفرد" هو نظام انتجته الانظمة التوتاليتارية .. الفاشية منها والشيوعية .. ونموذجه الأكمل هو نظام ستالين .. وشرط الامكانية لمثل هكذا نظام هو جهاز بوليس اخطبوطي .. والعراق الملكي لم يكن يمتلك مؤسسة أمنية بهذا الحجم بسبب حداثة مؤسسات الدولة العراقية وضعف بنيتها انذاك .. ولو كان في العراق الملكي "حكم فرد" لما استطاعت كتيبة جنود احتلال قصر الرحاب وقتل العائلة المالكة !

اما "سالفة" ان الحزب الشيوعي العراقي كان يمكن ان يكون واسطة لإشاعة الديمقراطية في العراق .. فهذه و"رب الكرملين" نكتة .. هي حتى نكتة قادرة على تحريك شوارب ستالين لانه كان سيضحك لو سمعها .. خصوصا اذا علمنا ان الايديولجيا الشيوعية الرسمية انذاك كانت تعتبر الديمقراطية نظام حكم برجوازي يتعارض مع "دكتاتورية البروليتاريا" .. وهذا الرفيق "الكهفي" لا زال يعتقد حتى اليوم ان الحزب الشيوعي العراقي كان يمكن ان يكون "رسول سلام" ينشر الديمقراطية في ربوع البلاد !

مسكينة هي "البلاد" بمثل هكذا "مراجعات نقدية" .. ومساكين هم "العِباد" المبتلين بسماع وقراءة مثل هكذا ضحالات.. هل من يقول لهذا الرفيق " صح النوم" .. هل من يقول له ان كل التجارب الشيوعية في العالم لم تعرف الديمقراطية ولم تنتج غير "حكم الفرد" ..هل من يقول لتلك النرجسيات المتورمة بِذِهان مزمن ان كفى استخفافا بعقول الناس .. هل من يقول للشيوعيين العراقيين ان أفضل شيء حصل لهم هو انهم لم يستلموا السلطة في العراق!! لانهم لو كانوا قد حكموا العراق لاعطونا "ابو شوارب" أخر!! وهل من يقول لهم أخيرا ان التاريخ لا يكتبه حكواتية !

2008/09/29

فنجان قهوة مع لينين .. في مديح البرجوازي


في الاسابيع الاولى بعد وصولي الى هذا البلد الأمين .. وكان ذلك قبل سنوات طويلة .. اصطحبني صديق عراقي في جولة حول المدينة التي يسكن .. احدى محطات تلك الجولة كان مقهى من مقاهي تلك المدينة المزدحمة بالمقاهي .. دخلنا المقهى .. جلسنا .. واذا بصديقي يشير الى طاولة بجانبنا : "هنا كان يجلس لينين" .. وهنا في هذا البلد الذي يحنو على الأشياء التي اتعبها التاريخ .. مثل تلك الطاولة تصبح "محج" سياحي .. "فنجان قهوة مع لينين" قال صديقي .. انا شخصيا لا احب القهوة ولا احب لينين .. ولكنني احب ارتياد المقاهي.

قبل ايام التقيت لينين هذا للمرة الثانية .. التقيته في كتاب يتطرق للسياسة الدولية اثناء الحرب العالمية الاولى وبالتحديد حين كان لينين لاجئا في هذا البلد الامين .. الحرب العالمية كانت مشتعلة آنذاك .. والاشتراكيين الأوربيين كانوا منقسمين حول الموقف السياسي من تلك الحرب .. قرأت الكتاب وطاولة لينين كانت حاضرة معي .. لينين يدخل مقهاه .. لينين يشرب قهوته الصباحية .. لينين يتناول جريدته المستلقية على تلك الطاولة.. لينين يقرأ اخر الأخبار .. وجه لينين (الذي يشبه وجه ملاكم) يبدأ بالتشنج .. لينين قد عرف للتو إن زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية العالمية قد اصطفوا مدافعين كل منهم عن موقف بلاده .. لينين يسافر في نوبة من نوبات غضبه المشهورة .. فم لينين يبدأ بتخريج كلمات نابية : "خونة ، برجوازيون .. سفلة .. أنذال .. كيف يضحون بالمبادئ الاشتراكية من اجل بلدانهم" .. نفهم غضب لينين حين نعرف ان سلوك زملائه الأوربيين في الحركة الاشتراكية يزيد من عزلته خصوصا وسط رفاقة الروس الذين لا يفهمون موقفه المعادي لبلدهم روسيا .. لينين يحتاج الى فلسفة موقفه .. لينين ينحني على تلك الطاولة ويبدأ بوضع افكاره على الورق .. لينين يكتب " اطروحاته السبعة عن الحرب" حيث يقول " ان اهون الشرين ، من وجهة نظر الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في روسيا، هو هزيمة الملكية الروسية وجيشها" .. وهكذا كان .

تنجح عقيدة لينين وتسقط روسيا القيصرية .. ولكن عقيدة لينين لم تنجح من دون تعكزها على المساعدات السخية التي قدمتها المانيا والدولة العثمانية للمعارضين الروس.. المانيا والدولة العثمانية كانتا بحاجة ماسة لتحييد الجبهة الروسية.. "المخابرات" الالمانية والعثمانية تجندان عملاء من داخل المعارضين الروس من اجل التسريع بقلب النظام القيصري .. "تاجر الثورة" الكسندر اسرائيل هيلفلاند .. القيادي الشيوعي الروسي من اصل يهودي والذي تحول الى رجل اعمال يؤدي دور الوسيط .. لينين يرفض في البداية .. لينين يتردد بعد ذلك .. لينين يركب في النهاية القطار الالماني الخاص الذي نقله عبر اوربا الى روسيا .. "المخابرات" الالمانية تتمنى لكم رحلة سعيدة .

لا يهمنى في تلك القصة موقف لينين الذي يفضل هزيمة بلده على هزيمة عقيدته .. ما يهمني هو موقف الاشتراكيين الأوربيين .. بين العقيدة والوطن، لماذا اختار الاشتراكيون الأوربيون الوطن ِ؟؟ بين الاممية وبين "الحدود" لماذا اختاروا الدفاع عن حدود بلادهم .. هنا سؤال مهم .. سؤال ضروري ..سؤال ملح خصوصا ونحن نعيش تداعيات زمن "انا الطم اذا انا موجود ، وليذهب الوطن للجحيم " !! أتخيل حجة الاشتراكيين الاوربيين : " الاوطان قبل العقائد" .. "برجوازية " يقول صاحبنا لينين .. ليكن.. مثل هكذا برجوازية تعجبني .. ان تكون برجوازيا امام رومانسية الشعارات يتطلب شجاعة وامانة فكرية ليست متوفرة لكل من هب ودب .

مثل هكذا "برجوازية" تستوقفني .. لانها تطرح اشكالية دمرت العراق .. بين الوطن والعقيدة يختار البرجوازي الوطن .. يختار سلامة الوطن ..امن الوطن ..وجود الوطن المهدد .. هناك عند البرجوازي حس بالمسؤولية لا يتوفر عند المحلقين في فضاء المطلقات المجردة .. هناك عند البرجوازي ارتباط اكبر بحقائق الارض .. بالواقع .. بالدولة .. هل "مُلكيته" تجعله يتخذ مثل هكذا موقف كما يقول لنا لينين ؟؟ اذا فلتحيا المُلكية .. نعم فلتحيا المُلكية المنتجة لمواطنين يفكرون ببرغماتية .. والى الجحيم كل الشعارات التي تجعل الناس يتصرفون كقطعان غنم تركض نحو حتفها .. تلك الروح القطيعية سادت بالامس وحصلنا على "ثقافة" الحبال.. وسادت اليوم وحصلنا على "ثقافة" الدريل .

لقد جعلت الايديولوجيا الشيوعية من مفردة برجوازية شتيمة .. ولكن معنى المفردة لم يكن تاريخيا كذلك .. صحيح ان المفهوم الفرنسي الحديث يعطي للبرجوازي معنى "شخص محافظ او نمطي وبلا مثاليات" ولكنه استخدام متأخر زمنيا .. وهو معنى من بين معاني اخرى كثيرة .. في سويسرا التي احتضنت لينين لاجئا يشرب قهوته الصباحية بهدوء على تلك الطاولة .. في هذا البلد الامين يأخذ مفهوم البرجوازية معنى المواطنة .. ولقب برجوازي في كثير من مدنها يمنح للشخصيات المميزة في المدينة تقديرا لمساهمتها في تطوير المدينة .. وهذا الاستخدام السويسري يعيدنا الى المعنى الاصلي للكلمة .. البرجوازي (من الالمانية بورغ) هو ساكن المدينة .. وفيه نجد اهم ما يميز البرجوازي سوسيولوجيا : هضمه لسلوكيات وقواعد التعامل المديني .. من خلال تطويره لسايكولوجية نمت فيها الانا العليا (الرقيب الذاتي) الى درجة انها لاتحتاج الى رقابة خارجية كبيرة لكي تتصرف مع الاخرين بتحضر .. اما عن نمطية البرجوازي التي يشير اليها المعنى السلبي للكلمة فسببها احترام صارم للقواعد الاجتماعية .



المثقفون عملوا على إشاعة صورة سلبية عن البرجوازي .. هو عندهم نقيض لصورة الفنان او الفوضوي الرومانسية .. من حق المثقف الغربي الذي راكمت بلاده مؤسساتها المدنية والسياسية ان يدعو الى الفوضوية .. ولكن مثل هكذا دعوة عند المثقف العربي تستحيل الى سذاجة في احسن الاحوال .. و في اسوءها خيانة لعذابات الناس المطحونين في فوضى مجتمع يتخبط في خزعبلاته .. مجتمع لم يراكم بعد ثقافة مدنية على الاقل عند الاغلبية القادمة من الارياف .. ثقافة الشعراء البزاخة القادمة من "خلف السدة" لازالت تفتخر بمشهد شاعران يتعاركان بالأيادي من اجل قصيدة .. يحدث ذلك عادة بعد اول قدح !! شخصان فقط .. لكنهما غير قادرين على التعايش حول طاولة !!"مثقفونا" يتسألون وعبر طرح غبي عن سر ثقافة العنف والدكتاتور.. وهم أنفسهم لم ينموا او يطورا سلوكيات مدنية .. السيطرة على الغرائز الشخصية وكبت نوازع العنف الداخلي هي اهم ما يميز السلوك المدني البرجوازي المستند الى سايكولوجيا مدينية .. والمجتمعات المسالمة هي مجتمعات انتجت ، وعبر تراكم اجتماعي اقتصادي وخصوصا تربوي طويل، هذا النوع من البشر الحاملين لتلك السايكولجيا المدينية .

احد المؤرخين الفرنسيين يقول "بلا برجوازية ما كان ليكون هناك حضارة فرنسية" .. جان كوكتو يقول نفس الشيء بجملة رائعة : "خلف كل عمل فرنسي مهم هناك بيت، حساء، نار ، نبيذ ، غليونات" .. كوكتو ومن خلال ثقافة عميقة يعرف ان الفلسفة الفرنسية انتجتها صالونات شجعت الفكر كما اشاعت سلوك التعامل الاجتماعي المتحضر .. ناهيك عن ان دور النشر في اوربا كانت مهنة "برجوازية" .. من أين لنا بشعراء على هذا المستوى من الفهم العميق للتطور الاجتماعي !! الجواهري كان يعتاش على موائد وعطايا رجالات الملكية في الليل ويخرج في النهار في مظاهرات ترفع شعارات " الموت للبرجوازية" !! لامسؤولية هذا "الحبل الثقافي" ليس لها حدود .

كل ما له قيمة في العراق المعاصر كان من انتاج "البرجوازيات" العراقية .. حتى ازدهار الحركة الثقافية في خمسينات العراق وستينياته كان نتيجة للتراكم الذي تم في العهد الملكي .. مثقفو اليسار العراقي يعتقدون انهم هم من كانوا وراء تلك الحركة .. عقليتهم اللاسوسيولوجية تمنعهم من فهم شروط امكانية مثل تلك الحركة .. فهم يختزلوها باسماء مشهورة كما يختزلون الازمة بشخص الدكتاتور.. الواقع كذب "محكياتهم" .. فالواقع اثبت أنهم ما ان استلموا السلطة حتى اختصروا الثقافة في ثنائية الحبال و الردح .

قبلهم كان هناك "كشك جرائد".. واختلاف سياسي يظهر نسبيا في الشارع .. وجامعة يحاضر فيها اساتذة من عيار البرت حوراني .. كل ذلك اختفى حين طفح على السطح "ماركس ابو دشداشة" وجيل انصاف المتعلمين البوقي : "الموت للبرجوازية .. الموت للبرجوازية" .. لم لا .. ولكن كان علينا ان نفهم ما يعنيه ذلك .. فعندما تموت البرجوازية في مدينة ما، يموت كل شيء في تلك المدينة .. من البزونة الى أستاذ الجامعة .

2008/09/16

استكان شاي مع شاكر مصطفى سليم .. "على حساب" على الوردي


كنت اعتقد حتى وقت قريب ان أفضل من كتبوا عن العراق وعن "المجتمع " العراقي هُم من غير العراقيين .. ولكن يبدو ان هناك استثناء : شاكر مصطفى سليم ودراسته عن قرية الجبايش في الاهوار .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش هي اول دراسة انثربولوجية منهجية احصائية في العراق .. وهي "دراسة ميدانية" في الجبايش امتدت من 2 كانون الثاني عام 1953 حتى نهاية شهر ايلول من نفس السنة .. تسعة اشهر بحث ميداني وفي قرية نائية وفي خمسينات العراق .. مدهش .

حدث ذلك ذات "رجعية" .. وقبل ان تتسلق "تقدميات الارياف" اسوار المدينة وتغتال المدينة وجامعتها تدريجيا .. هذه الدراسة تشير وبطريقة غير مباشرة الى "الممكن" الهائل الذي كان يمكن مراكمته علميا وثقافيا .. ما الذي يمكن قراءته اليوم من "ادبيات" الحزب الشيوعي العراقي كوثيقة سوسيولوجية عن العراق !! لا شيء .. "ادبيات" كلمة كبيرة حتى ..شعارات او هوسات هو وصف ادق واصدق .. خصوصا اذا علمنا ان "الرفيق" فهد كان يسرق من "ادبيات" الحزب الشيوعي السوري .. حتى شعار "وطن حر وشعب سعيد" هو شعار مسروق من الحزب الشيوعي السوري .. يبدو ان "الامبريالية" لم تكن وحيدة في سرقة جهود الاخرين !!

هل هي مصادفة ان "رجالات" الشيوعية العراقية موزعين اليوم بين خدمة البسطال الامريكي .. وخدمة ما كانوا يسمونها حتى وقت قريب "صحف البترودولار" .. اقول هذا وانا استحضر مقال فالح عبد الجبار قبل اسبوعين "عن العروبة والعرب" في الحياة السعودية .. لطيف ان يُصفي شيوعي سابق حساباته مع القوميين على صفحات جريدة "بترودولارية" .. والادهى انه شيوعي يريد اليوم ايقاظ العروبة من سباتها !! لم لا .. كوندليزا رايس ايضا تريد ذلك من اجل مواجهة ايران كما قالت قبل اسابيع !! في هذه المقالة يعيب فالح عبد الجبار على ساطع الحصري انتقاله "بعد الحرب العالمية الاولى من فكرة الجامعة الاسلامية، الى الجامعة العربية، في رداء علماني" .. انا اعتقد ان المسافة بين الاسلام والعروبة ليست شاسعة .. وحتما هي ليست انتقالة شاذة او غير منطقية خصوصا اذا ما قارناها بانتقالة فالح عبد الجبار من الشيوعية الى الليبرالية البتروامريكية !! الى الامام رفيق !

وعود على بدء.. عودة الى من خدموا العراق وليس الاتحاد السوفيتي .. عودة الى من حاولوا فهم "الارض" ومشاكل الارض قبل تغييرها .. الارض العراقية التي قتلها قانون الاصلاح الزراعي الشيوعي لانه قانون تم فرضه وتطبيقه بعقلية "الفزعة" .. عودة الى من انتظر خمسة اشهر .. فقط لكي ينال ثقة اهل قرية الجبايش ..عودة الى شاكر مصطفى سليم .

اول ما يثير الانتباه في كتاب شاكر مصطفى سليم هو الوضوح .. وضوح في البنية ، وضوح في المنهج ووضوح في الاصطلاح ..الفصل الاول من كتاب سليم مخصص لـ"ظروف وميادين الدراسة".. الفصل الاول هو جولة في "مطبخ" سليم حيث يشرح لنا طريقة اعداده لدراسته : لماذا اختار قرية الجبايش وليس قرية اخرى .. ظروف اقامته الطويلة والشاقة وصراعه مع البعوض النهم ..اساليب جمع المعلومات ومرامي الدراسة .. وكيف ان الحكومة لم تسمح له بالاطلاع على بعض الملفات "السرية" رغم محاولاته المتكررة وجهوده للحصول عليها في بغداد .. وكيف انه منع في ربيع 1953 من الذهاب الى الى منطقة معينة في اهوار العمارة بسبب اضطرابات ومصادمات بين الفلاحين والشيخ الخ .. باختصار نحن امام شرح مفصل قل نظيره للاجرائية التي تمت بها الدراسة .

مثل هكذا وضوح اجرائي غائب تماما عن اغلب الاعمال العراقية التي تطرقت لدراسة المجتمع العراقي .. هناك ايضا عند سليم تسجيلية هائلة لانجد لها مثيل عند على الوردي مثلا .. سليم يُشبع الظواهر الاجتماعية التي يتطرق لها وصفا .. وهو لا "يخبزها" كما يفعل علي الوردي الذي "يدرس" ظاهرة محلية ما، والادهي يعممها على العراق، مستندا في احيان كثيرة على "قال لي فلان " او سمعت من فلان".. هذا الفرق بين الوردي وسليم يجد اسبابه في المنهج الذي يتبعان في دراستيهما .

دراسة سليم الميدانية تعتمد على الطريقة الاحصائية ..وتتبع قواعد عمل محدد تنتمي الى مدرسة انثربولوجية رصينة .. في حين ان الوردي في كتابة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي"يقول باستحالة اجراء دراسة ميدانية احصائية في العراق .. وحجته هو ان "المجتمع العراقي هو غير المجتمع الامريكي" ويضيف ان "اوساط العامة" كما يسميهم " اذا رأوا افنديا قادما اليهم وبيده قلم ودفتر حسبوه قد جاءهم لجباية الضريبة او التجنيد او لسوقهم الى الحبوس . وهم قد اعتادوا ان يكذبوا في جوابهم له بشتى الطرق خشية ان يصيبهم مكروه " كما يقول في مقدمة كتابه هذا .. دراسة شاكرمصطفى سليم عن الجبايش تكذب تبرير الوردي هذا .

ليس فقط ان سليم قد اجرى تلك الدراسة في قرية نائية ولكنه بقى هناك تسعة اشهر منها خمسة اشهر فقط لكي ينال ثقة اهل القرية .. وهو قد سبق "دراسة" الوردي بعشر سنوات تقريبا .. دراسة سليم بالطبع لم تخلو من تلك الصعوبات التي يبرر بها الوردي عدم قيامة بدراسة ميدانية احصائية .. سليم يتحدث مطولا عن تلك الصعوبات .. ولكنه يستعين بتقنيات طورتها العلوم الانسانية من اجل استحصال الاجابات وفرزها وتحليلها من اجل دقة اكبر .. المشكلة التي يطرحها الوردي هي مشكلة معروفة في البحث الميداني الذي يعتمد على الطريقة الاحصائية .. وكل باحث سوسيولوجي يقوم بهكذا دراسة وفي أي بلد في العالم سيواجه تلك الصعوبات وخصوصا مسألة عدم قول "الحقيقة" .. عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مثلا يتكلم عن تلك المشكلة كثيرا وهو كان يجري بحوثه في فرنسا السبعينات والثمانيات والتسعينات .. ولكن ذلك لم يدفعه الى تقديم التبريرات والاحكام التحقيرية من مثل "الفرنسي كذاب" كما يفعل على الوردي بخصوص كذب "عامة" العراقيين مبررا كسله البحثي .

دراسة سليم تنطلق من منهجية انثربولوجية تقتضي اختيار عينة صغيرة / مجموعة صغيرة لدراستها .. "فهم" تلك المجموعة يساعد في تسليط ضوء اكبر على المجتمع ككل .. ليس لان تلك المجموعة تمثل المجتمع ككل .. ولكن لانها تساعد على فهم المجموعات الاخرى وبالتالي المجتمع من خلال ابراز التناقض الموجود بينهما.. فرغم ان الجبايش لاتختلف عن باقي قرى الاهوار الاخرى في كثير من نواحي الحياة ولكنها كما يقول شاكر مصطفى سليم في مقدمة كتابه "تختلف في حياتها الاقتصادية اختلافا اساسيا عن بقية قرى الاهوار في العراق. فسكانها يعتمدون في الجزء الاكبر من موارد حياتهم على جمع القصب وحياكة الحصر التي يصدرونها خارج قريتهم، وهم بذلك يختلفون عن البقية الساحقة من سكان الاهوار الذين يعيشون على الزراعة ورعي الجاموس وتربية المواشي .

منهج سليم الانثربولوجي هذا يدلنا على ضعف اخر في "حكواتية" على الوردي .. ففي مقدمة "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" يرد الوردي على من انتقدوه بخصوص تركيزه على العراق وليس على الوطن العربي بالقول :" كيف يمكن دراسة المجتمع الكبير من غير دراسة الاجزاء الصغيرة منه كل على حده..( ص.8) .. وهذه حجة وان كانت تخفي موقف سياسي (على الوردي "عراقوي" سياسيا ) ولكنها حجة مقبولة علميا.. فمن غير الجائز معرفيا تحييد فرضية "علمية" من خلال "ضربها" بحجة سياسية .

نعم دراسة الاجزاء ضرورة لفهم الكل كما يقول الوردي ( رغم ان السوسيولوجيا الحديثة تجاوزت ثنائية الاسنتاجي/ الاستقرائي وتؤكد على اهمية الطريقتين ) ..ولكن ما لم يقله لنا على الوردي هو كيف تمكن هو ان يدرس " المجتمع العراقي" ويعمم فرضيات كثيرة عنه من دون حتى ان يقوم بدراسة أجزاءه او مكوناته الصغيرة ؟؟ هنا تكمن هشاشة الحجة الوردية .. هو يدعو لدراسة الاجزاء الصغيرة من اجل فهم الكبير (الطريقة الاستقرائية كما يسميها) ولكنه فيما يخص العراق يفهم "الكبير العراقي" من دون ان يقوم بدراسة أجزائه الصغيرة المكونة ( وهو بذلك يتبع الطريقة الاستنتاجية التي يعيبها على منتقديه) وهذا يدلل على ان موقف الوردي هنا هو موقف "جدلي" اكثر منه علمي ..( مما يثبت ان وراء حجة الوردي هذه موقف سياسي وليس ابستمولجي) .. ليس مستغربا بعد ذلك ان الوردي يستخدم تعبيرات "المجتمع العراقي" او "الفرد العراقي" كتحصيل حاصل رغم هشاشتهما الاصطلاحية .

كارثة ان علي الوردي الذي اشاع عدد كبير من الاحكام العامة والكليشات المتداولة اليوم في افواه انصاف المتعلمين ، لم ينفذ ولا حتى دراسة ميدانية واحدة بخصوص المجتمع الذي يدرس.. في وقت كانت الظروف السياسية (وهي المعوق الحقيقي ) تسمح بذلك .. الوردي يقول لنا "ان اصح طريقة لدراسة المجتمع العراقي هي تلك التي جاء بها العالم الالماني المعروف ماكس فيبر. وهي التي تعتمد على "التفهم" وتكوين المثال النموذجي" .. ولكنه لايقول لنا لا كيف يقوم فيبر بذلك ولا حتى كيف كوّن هو "مثاله النموذج" عن المجتمع العراقي .. الادهى هو ان الوردي لم يستند الى كتاب ماكس فيبر بهذا الخصوص وانما الى كتاب بارنز "تاريخ علم الاجتماع" !! بمعنى ان قراءته هي قراءة لقراءة لماكس فيبر !! وهذا يذكرني بقول احد المختصين الفرنسين بالشان العراقي من ان قراءة الوردي لابن خلدون هي بالاحرى قراءة لقراءة "مفسرين" غربيين .. وهو يقول لنا ان اهتمام على الوردي بابن خلدون قد تجسد في الجامعة الامريكية حيث كرس رسالته للدكتوراه عن ابن خلدون .. انذاك كانت النظرية "الثقافوية" هي النظرية السائدة في الجامعة الامريكية.

اذا فالاختلاف الاجرائي وبالتالي الاسلوبي بين الدراستين هو في الاصل اختلاف منهجي .. شاكر مصطفى سليم تشرّب منهجية المدرسة الانثربولوجية البريطانية الصارمة وفحواها الاجرائي (كنت هناك ..شاهدت ..فسجلت ) .. في حين ان الوردي قد تشرّب النظرة الباثولوجية للمشاكل الاجتماعية والتي كانت سائدة في الجامعة الامريكية في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي .. تركيز الوردي على باثولوجية / مرضية "الفرد العراقي" و"المجتمع العراقي" هو من مخلفات هذا المنظور الباثولوجي للمشاكل الاجتماعية .. اما الطريقة الاحصائية التي هي اهم ما يميز السوسيولوجيا الامريكية (بالاحري "مدرسة شيكاغو" وعلى الوردي درس في جامعة تكساس ) فهو قد "رفسها" بتبرير ميل "عامة" العراقيين الى الكذب !

عندما نضع دراسة شاكر مصطفى سليم مقابل "دراسة" علي الوردي فان دراسة سليم تبز "دراسة" الوردي منهجيا واجرائيا واصطلاحيا .. لا بل ان قراءة كتاب الجبايش تضعنا بسهولة امام حقيقة ان شاكر مصطفى سليم قد انتج بكتابه هذا افضل دراسة انثربولوجية في "اللغة العربية".. ومع ذلك فهو لم ينل شهرة على الوردي .. هو معروف في اوساط المختصين .. ولكنه غير معروف عند الجمهور العريض .. "السوسيولوجيا العفوية الساذجة" للوردي والمحملة بالكليشات السائدة في المجتمع تجعلة اسهل قراءة .. خصوصا وهو يقدم "محكية" شاملة وبسيطة .. والمحكيات الشاملة مريحة ذهنيا للباحثين عن شرح بسيط للمعقد .. ومثل تلك المحكيات تنجح في ثقافة يسيطر عليها الشعراء "البزاخة" والحكواتية .. ليس غريبا ان الوردي  تحول الى صنم في جمهورية عبدة "الاصنام" والمقابر .. في مملكة العميان الاعور ملك !

ولكن .. منذ متى كانت الشهرة معياراً للنوعية .. فـَ سوزان تميم مشهورة .. ومقتدى الصدر ايضا مشهور !! والقائمة تطول ..يكفي شاكر مصطفى سليم شهادة حنا بطاطو .. بطاطو لم يشر الى أي من كتب على الوردي الكليشاتية !! ولكن بطاطو يأسف لعدم وجود دراسات عن المجتمع العراقي كدراسة "الجبايش" .."الجبايش" كانت اطروحة دكتوراه .. وشهادة حنا بطاطو هي بمثابة دكتوراه فخرية .. تحية "استاد" شاكر .

2008/08/31

فأرة غرامشي


رسائل غرامشي من السجن رائعة .. في واحدة من تلك الرسائل هناك قصة كتبها غرامشي من السجن لابنه الصغير.. غرامشي يكتبها بخطوط عريضة ويترك لزوجته بعد ذلك ان تتصرف بالتفاصيل كما تريد .. الحكاية بسيطة ولكنها هادفة .. اترجم الحكاية هنا من النص الفرنسي وبتصرف ..عملا برغبة غرامشي :

كان يا ما كان .. في قرية إحدى البلدان .. كان هناك طفل يغط في نوم عميق .. وقرب فراشه كان هناك قدح حليب وضعته له أمه لكي يشربه عندما يستيقظ في الصباح .. وقبل ان يستيقظ الطفل ، تظهر فأرة وتشرب الحليب الموجود في القدح .. وعندما يستيقظ الطفل ولا يجد حليبه يبدأ بالبكاء .. فتأتي أمه وتفهم ما حصل فتبدأ بالبكاء هي أيضا .. وعندما تسمع الفارة بكاءهما تخرج من ثقب جدار الغرفة وتراهما على هذا الحال فتبدأ بتأنيب نفسها .. وتحت وطأة إحساسها الكبير بالذنب تبدأ الفارة بضرب رأسها بالحائط .. ولكنها تنتبه بعد لحظات من ان ضرب رأسها بالحائط سوف لن يغير من الأمر شيئا .. فتخرج راكضة الى العنزة لكي تجلب منها حليب للطفل .. ولكن العنزة تطلب من الفأرة عشبا لكي تعطيها الحليب .. فتتوجه الفأرة مسرعة للأرض لتجلب منها عشبا فتجدها قاحلة .. فتطلب الأرض من الفأرة ماءً لكي تعطيها عشبا .. عندها تتجه الفأرة الى الينبوع فتجد ان الحوض الذي يجمع ماءه قد دمرته الحرب مما يتسبب بضياع الماء هدرا.. فتدرك ان ذلك يتطلب عاملا لكي يبني الحوض .. فتذهب الفارة للقاء العامل .. ولكن العامل يطلب من الفارة حجرا لكي يعيد بناء الحوض .. فتذهب الفارة مسرعة الى الجبل لجلب الحجر .. وعندما تصل الفارة الى الجبل ..تجده كالح حزين تمت تعرية جوانبه .. فيشكو الجبل للفارة جشع التجار المضاربين الذين قطعوا جميع أشجاره مما جعله بهذا الحال .. وتحكي الفارة قصتها للجبل وتعده بان الطفل عندما يكبر سوف يزرع اشجار الصنوبر والسنديان والكستناء على جوانبه .. فيقتنع الجبل بوعد الفارة ويعطيها الحجارة .. فيتمكن العامل من بناء حوض الينبوع .. ويجمع حوض الينبوع ماء وفير لسقاية الارض .. وتعطي الارض عشبها .. وتعطي العنزة حليبها .. ويحصل الطفل على حليب كثير .. وينمو الطفل بسرعة ويصبح قويا .. فيزرع الاشجار على سفوح الجبل.. وتزدهر القرية ويعيش الناس عيشة سعيدة.

يقول غرامشي معلقا على تلك الحكاية "ان الفارة وضعت هنا خطة خمسية" !! رائع تعليق غرامشي .. الحكاية تحمل رسالة بسيطة و هادفة .. "فارة غرامشي" تقف موقف ايجابي من الحياة .. اعتقد ان حكاية فارة غرامشي تستحق ان توضع في مناهج أطفال العراق .. لأنها حكاية محفزة على تجاوز الأخطاء ، محفزة على العمل ، على التدبير ، على التخطيط الخ .. باختصار هي حكاية محفزة على الحياة .. وفي بلد تسود فيه ثقافة الموت واللطم .. فأن مثل هكذا حكاية تصبح ضرورة .

العمامة حتما سوف لن تسمح بمرور "فارة غرامشي" في صفوف ومخيلة اطفال العراق .. والسبب، لان مضامين حكاية فارة غرامشي تهدد "قيم" ثقافة اللطم .. فارة غرامشي تحمل رسالة حياة .. والعمامة عملت وتعمل من اجل ثقافة الموت وعبادة الأموات .. او ليست الحياة عندهم  أتفه من "عفطة عنز" !! فارة غرامشي تتوقف عن "تطبير" رأسها بالحائط لانه سلوك عبثي لن يرد لها الحليب .. من هنا "خطتها الخمسية" من اجل "كل يوم حليب" .. والعمامة تدعو الى "كل يوم عاشورا" ( مقولة إرهابية بامتياز) .. منطق الثار هذا يعمل على تغذية ذاكرة تجتر تجاذبات الصريفة وعلى مسرّحة لمشهد الدم .. من هنا الموقف اللطمي التطبيري للذات .. فارة غرامشي يؤنبها ضميرها على شرب قدح حليب ليس لها .. واقتصاد العمامة قائم على "فيل" المهدي الذي اختلقه "وكلاء الغيبة الصغرى" من اجل سرقة خمس الفقراء .. هل هي مصادفة تلك السرقات الفلكية التي جعلت العراق يحتل المركز الاول في قائمة البلدان الاكثر فسادا في العالم !! فاقد الشيء لا يعطيه .

باختصار .. العمامة ستفعل كل ما في وسعها من اجل منع فارة غرامشي " من المرور" في صفوف أطفال العراق .. والسبب : امام براءة ومخيلة أطفال .. فارة غرامشي ستهزم "فيل" المهدي !!


ـ الفيل في العامية العراقية تعني مجازا "كذبة كبيرة".. الكذاب هو من يجعل الفيلة تطير .. من هنا فكل كذبة كبيرة هي فيل.

2008/08/09

عندما يبرّئ اللون كونكريت الاحتلال





في الغارديان تحقيق مصور عن مشروع "تجميل" جدران الكونكريت الامريكية التي قتلت المدينة العراقية .. نستطيع ان نقول : "ومن اللون ما قتل" !! من شدة القبح طبعا .. الانحدار اللوني في عصر العمامة مخيف .. ارسم لي، اقل لك من انت !! قبح اللون هنا هو من قبح الكونكريت .. قبح الألوان الممولة من قبل المحتل هو من قبح الاحتلال .. إحدى الأبواق الإعلامية الممولة من قبل رأس المال القريب جدا من المخابرات الأمريكية تصف في عددها الاخير تلك الجدران بـ "الأصفاد الملونة" .. قبح اللون يزداد مع قبح تلك الكلمات .

في كتابه "أساطير" يقول رولان بارث عن اللغة الإيديولوجية بأنها لغة "لا تلغي الأشياء، لا بل على العكس فوظيفتها هي التطرق لتلك الأشياء ولكن على طريقتها .. من خلال تشذيب هذه الأشياء .. تبرئتها" .. بمعنى وضعها في إطار لغوي أخر من اجل إعطاءها معنى أخر يحجب معناها الأصلي .. ولغة الصحافة المرتزقة كما الألوان المرتزقة تفعل نفس الشيء هنا .. لأنها "لغة" ايديولوجية .

فكما ان الاحتلال ضمن هذة "اللغة" يصبح "تحرير" .. فان جدران الفصل الطائفي الكونكريتية تسمى "اصفاد ملونة" .. صفة "الملونة" تقوم هنا بتشذيب المعنى الاصلي القبيح لكونكريت المحتل .. انها محاولة تبرئة لجريمة الجدار بحق المدينة والمجتمع .. والألوان المغطية لقبح الكونكريت تقوم بنفس الوظيفة .. اللون يحاول طمس حقيقة الجدار .. اخفاء غايته العملية في ترسانة المحتل .. فالجدار العازل سلاح في ترسانة المحتل .. من هنا فان اللون "الملطوش" على الكونكريت المحتل للمدينة يقوم بالتعتيم على البعد "السياسي" في كونكريت المحتل .. فمن خصائص اللغة الايديولوجية هو ازالتها للبعد السياسي للاشياء .. ليس غريبا اذا ان تقرأ ان من ضمن الشروط التي وضعها الأمريكي "للملوّنين المرتزقة" هو عدم التطرق لمواضيع سياسية قي رسومهم كما تقول الغارديان .

عندما تحاول الألوان اخفاء قبح الكونكريت القاتل للمدينة .. فهي تساهم بقتل المدينة من جديد ومن حيث تعتقد انها تجملها .. لان مشروع تلوين كونكريت الاحتلال هو مساهمة في تكريس جدران الاحتلال .. وبالنهاية هي تكريس للاحتلال من خلال تجميل وسائل احتلاله .. أي جعلها مقبولة في عيون الناس .. والامريكي عندما يقوم بتمويل "مشروع الوهم اللوني" فهو يعرف ماذا يفعل .. للفرشاة والبندقية فوهة واحدة !! فوهة امريكية طبعا !!

2008/07/27

صحافة الفنادق




مقال الـ "نيويورك تايمز" عن العراق لهذا اليوم يتطرق لتشرذم عصابات جيش المهدي .. هناك في المقال وصف مفصل لسرقات وجرائم سرسرية جيش المهدي في مدينة الثورة والشعلة والطوبجي .. وهو يعطي لمحات من "جمهورية الطالبان الشيعية" بقيادة "ملا تكتيك" .. بالمناسبة مقال النيويورك تايمز لايتطرق لـ "ملا تكتيك" ودوره في التهدئة مع "الشيطان الاكبر" بناء على اوامر "السرداب الاعلى" .. يقال انه عاكف على دراسة "فقه النكاح" .. لا حدود لنفاق العمامة .

كاتبة مقال النيويورك تايمز، وبسذاجة "صحافة الفنادق" المعهودة ، تُهيكل المقال لكي تقود القارئ الى استنتاج جاهز مسبقا .. استنتاج يردد اليوم على شكل كليشة ينبح بها الاعلام المرتبط بالاحتلال وفحواها تحسن الاداء الحكومي وبالتالي الوضع الامني في العراق .. المقال يقول لنا ان جيش المهدي قد اصبح ضعيفا ..وان احدى علامات هذا الضعف هو ان العشائر الشيعية بدأت تلاحق افراد جيش المهدي ممن قتلوا احد أبناءها لكي تفرض عليهم التعويض العشائري .. ويأتي الاستنتاج النهائي ليربط سببيا بين قوة الحكومة وضعف جيش المهدي .

ولكن الدليل الذي يقدمة المقال على ضعف جيش المهدي (وهو صعود نفوذ العشائر الى الحد الذي يجعلها تلاحق عصابات جيش المهدي وتفرض عليها دفع التعويضات ) هو بحد ذاته دليلا ايضا على ضعف الحكومة .. ان يلجأ الناس الى العشائر من اجل محاسبة القتلة والمجرمين هو أفضل دليل على الضعف الاداري للحكومة .. فجوهر الحكومة هو سيطرتها على وسائل العنف التي تمكنها من فرض القانون .. وعندما تقوم العشيرة بفرض القانون فهي تفضح هشاشة الحكومة .

حنا بطاطو عندما يتطرق للولاءات المتعددة للمجتمع العراقي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة يورد ما يقوله احد النواب العراقيين في البرلمان العثماني في عام 1910 : " ان تحتمي بعشيرة هو آمن الف مرة من الاعتماد على الحكومة ، وذلك لان الحكومة (العثمانية) لاتقوم باداء واجبها في الردع، بينما العشيرة ، ومهما كان ضعفها، تهب للدفاع عن احد اعضاءها حالما تسمع بظلم وقع عليه " .. وهنا نص بطاطو :


“To depend on the tribe” wrote in 1910 one of Baghdad’s deputies to the Ottoman parliament. “is a thousand times safer than depending on the government, for whereas the latter defers or neglects repression, the tribe, no matter how feeble it may be, as soon as it learns that an injustice has been committed against one of its members readies itself to exact vengeance on his behalf”. BATATU,The Old Social Classes… p.21

النائب العراقي يصف هنا وعلى طريقته جدلية الدولة والعشيرة .. عندما تضعف الدولة تقوى العشيرة وعندما تقوى الدولة تضعف العشيرة .. وهو يقول لنا ان الناس كانوا يلجئون لعشائرهم من اجل ان تحميهم او تطالب لهم بحقوقهم لأنهم كانوا يعتبرون الحكومة ضعيفة وتعجز عن حمايتهم .. وعندما يلجأ الناس اليوم الى عشائرهم فلأنهم يعتقدون ان الحكومة غير قادرة على حماية نفسها .. فمن اين لها القدرة على حمايتهم.

العراقي اليوم مثلا لايذهب الى مراكز الشرطة لانه يعرف انها اوكار للمجرمين والحرامية ..ولانه يعرف ان كثير من جرائم الخطف من اجل المال تمت بمساعدة الشرطة.. وهذا ايضا ما يدفع الناس لِلجوء الى عشائرهم .. وعندما تقوم العشائر اليوم بملاحقة عصابات جيش المهدي فهي تفضح هذا الضعف الاداري لحكومة المنطقة الخضراء .. ليس هناك من دليل اقوى على ضعف حكومة ما من عدم قدرتها على فرض القانون .. وصحافة الفنادق تقول لنا ان الحكومة قوية .

صحافة الفنادق تخون هنا من جديد قرِاءها في الكوكب الامريكي حيث تستهلك الجرائد بالكيفية التي تستهلك بها الكوكاكولا .. هي قد باعتهم ذات يوم حرب سهلة ..هي اليوم تبيعهم انتصار اسهل .. صحافة الفنادق تريد ان تخفي حقيقة واضحة كالشمس في المقبرة الجماعية التي "يحرسها" اليانكي : العراق الامريكي هو فشل سياسي قبل ان يكون امني .. وحكومة المنطقة الخضراء لن تصمد اسبوع واحد بدون المئة والستين الف "بسطال" امريكي وعشرات الالاف من"القنادر" المرتزقة.

2008/07/15

ثقافة الحبال .. و"حبال" الثقافة

نشر عبد الاله الصائغ يوم امس مقال عن "ثورة/ انقلاب" ١٤ تموز ١٩٥٨ ..المختصون بالتاريخ يميزون بين مفهومي الانقلاب والثورة وفقا لمعايير محددة .. كالطريقة التي يتم فيها التغيير السياسي، موقع القائمين بـ "الانقلاب" في حقل الصراع الاجتماعي او العدد المشارك في التغيير او حجم التغييرالذي يحدثه النظام الجديد.. مثلا، بعض المؤرخين يعتبرون الانقلاب ثورة اذا ما احدث تغييرا جوهريا في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. ولكن الصائغ في مقاله غير معني بهذه الامور.. فحُكمه قيمّي قائم على معيار الخير والشر المسترخي على ثنائية ملائكة وشياطين ..لذلك نستطيع ان نقول ان قراءته هي قراءة "شعرية" للتاريخ (بالمعنى الشخابيطي لمفردة شعرية).. وبهذا المعنى فان مقال الصائغ ليس له قيمة من زاوية النظر الاكاديمية.

اضافة الى هذا الغياب الاصطلاحي التام ، فمقال الصائغ يحوي من الاسقاطات والمغالطات التاريخية ومن الثقافوية التحقيرية ما ينفع لعمل بحث كامل عن ضحالة المستوى الفكري السائد في وسط "المثقفين المرتزقة".. وفيه بعد ذلك من الانتقائية والدسية ما يكفي لتغذية الرؤوس الاسفنجية لعقود معارك جمل قادمة.. لماذا التوقف اذا امام هكذا مقال ضحل.. اعتقد ان "قيمته" تأتي من كونه يمثل اسلوب شائع ومقرؤ جدا من قبل الرؤوس الاسفنجية.. فنحن هنا امام نموذج للاستخدام "الكيفماشائي" للماضي.. والتوقف عنده ليس مضيعة للوقت.

فحوى مقال الصائغ الكيفماشائي يمكن تلخيصها بجمل بسيطة: ان انقلاب/ ثورة تموز والغوغائية التي صاحبتها ادت الى "عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وتلك العسكرة قد مهدت لكل الكوارث السياسية اللاحقة.. ساترك جانبا عبارة " عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. وسأكتفي بسؤال اطرحه وعيني على الواقع ماضيا وحاضرا: هل هناك وعي جمعي عراقي ؟؟ الطامة الكبرى في هذا المقال تكمن في مكان اخر.. فالصائغ يدين هوسة "ماركس ابو دشداشة" الغوغائية "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة".. ولكنه بنفس الوقت يستعين بالجواهري كمعين في قراءة تاريخ تلك الفترة !! وهنا نحن امام مفارقة هائلة.

فالجواهري في قراءة الصائغ يلعب دور الحكيم والحكم ويقول ما معناه بان انحراف الثورة وغرقها في مستنقع الدم ناتج عن اعتماد عبد الكريم قاسم "على اناس غير مؤهلين".. والجواهري يقول لنا بانه عندما سمع اسماء هولاء في بداية الثورة، "قرأ الفاتحة على الجمهورية".. السؤال الان : اذا كان اولئك "الساسة" غير مؤهلين، فهل كان الجواهري "مؤهلا" انذاك !! والسؤال المكمل للسؤال الاول هو: الم يقرأ الجواهري آنذاك اشياء اخرى غير سورة الفاتحة !! قصيدة "تحرك اللحد"مثلا .. التي منها الابيات التالية :

فضيق الحبل واشدد من خناقهم    فربما كان في ارخائه ضرر
أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ  مُنطَبِعٌ      وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر

هذه هي "مؤهلات" الجواهري آنذاك.. الجواهري كان "حبل ثقافي" يدعو للبطش والتنكيل بخصومه السياسيين.. اتعلم ام انت لا تعلم بان "حِبال" الضحايا فم !! قصيدة "تحرك اللحد" هذه تقول لنا ان لثقافة الحبال فم .. والجواهري كان هذا الفم .. ومن هنا فهو اخر من يحق له الحديث عن "المؤهلات".

"هل يعلم الصائغ ام هو لا يعلم" بان قصيدة الجواهري" تحرك اللحد" كانت في الاصل مدحا لمن قاموا بانقلاب ١٩٣٦ وهو الانقلاب الاول ليس فقط في العراق ولكن ايضا في كل منطقتنا.. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري اطلق في عام ١٩٣٦ اسم "الانقلاب" على جريدته تيمنا بـ "ام الانقلابات".. وهل يعلم الصائغ ام هو لايعلم بان الجواهري اعاد صياغة قصيدة" تحرك اللحد" في نهاية ١٩٥٩ بعد محاولة اغتيال قاسم لكي تتناسب مع اسم "الانقلابي" الجديد.. اي بعد اكثر من سنة على قيام "ثورة" ١٩٥٨.. فمتى قرأ الجواهري اذا سورة الفاتحة على "الجمهورية" ؟؟ التاريخ لا يرحم .. فالتاريخ ليس حقل مبالغات مفتوح كالقصيدة كما يعتقد الجواهري.. ولا يمكن اعادة صياغته بحسب مزاج الشاعر كلما استجد حدث! 

اذا كان الصائغ يعرف تلك التفاصيل ويعمل بمبدأ الانتقائية فتلك مصيبة.. واذا كان لا يعرفها فالمصيبة اعظم .. باختصار.. قصة قصيدة الجواهري هذه تُبيّن ضحالة وحدود القراءة "الشعرية" للتاريخ.. وهي وبخلاف ما يقوله الصائغ، تُبيّن ان مسار ثقافة الحبال والسحل والقتل والتصفيات الدموية لم يبدأ في تموز ١٩٥٨.. انقلاب ١٩٣٦ هو اسبق في تأسيس مسار"عسكرة الوعي الجمعي العراقي".. اذا جاز استخدام تلك العبارة الاخيرة.

ولكي نبقى في الاهم.. قصيدة "تحرك اللحد" يمكن تسميتها "تحرك الحبل".. لانها قصيدة مؤسسة لثقافة الحبال والسحل والتصفيات الدموية التي لم يخرج منها العراق بعد.. وهي تقول لنا ان الجواهري كان من نفس طينة "ماركس ابو دشداشة" وهوسته السيئة الصيت .. وهي تقول لنا اخيراً شيئا مهما غالبا ما يتناساه "المثقفون".. نعم، ثقافة الحبال لها ساستها وغوغاءها.. ولكن ثقافة الحبال والسحل والقتل لها ايضا شعراءها ومثقفيها وخصوصا انصاف متعلميها.

باختصار .. قراءة الصائغ "الشعرية" للتاريخ تستدعي المقولة المأثورة : "التاريخ هو حكايات مجانيين تروى لاغبياء !!

2008/06/30

قاعة امتحان .. لا ساحة حرب

اول امس اطلق حراس وزير التربية الفاقد للتربية (الادب سِز) النارعلى طلاب يؤدون امتحاناتهم النهائية في حي سبع ابكار في بغداد ..هذا الوزير عمل من دون ان يريد على تكذيب مقولة نابليون "ساحة حرب ولا قاعة امتحان" .. لسان حال الطلاب، الذين "زارهم" وزير الرصاص هذا، يقول "قاعة امتحان ( ومروحة اذا امكن) ولا ساحة حرب .. فليس كل الناس يمتلكون "عسكراوية" نابليون .. وخصوصا في عصر القتلقراطية هذا .

يوم امس كتب احد "اللطميون" يقول ان وزير التربية هذا هو بعثي سابق .. عذر اقبح من ذنب .. لا يجرؤ على مثل هكذا احتقار لعقول الناس غير اللطميين .. الوزير هو من نخب المظلومية و"المظلومين" ولكن ما ان يقترف هذا الوزير جريمة او ينهب بضعة ملايين من الدولارت حتى يتحول وبقدرة قادر الى بعثي .. السؤال الان هو لماذا يحتاج اللطمي دائما الى بعثي .. كيف حصل وبعد خمس سنوات زرف رؤوس ولازال اللطمي مستمر بلعب دور الضحية .

اعتقد اننا هنا امام احدى ميكانزمات الدفاع الفرويدية .. اليوم وقد عمت الكارثة .. اليوم وقد سقطت المظلومية في وحل الجريمة .. اليوم وقد تحول "المستضعفون في الارض" الى مختصين في ثقب الرؤوس .. اليوم وقد تحول الضحية الى جلاد .. فلابد من وهم يعوض قسوة الواقع .. لابد من واحة وهمية وسط صحراء الجريمة التي اشاعوا .. واحه وهمية يرتادها اللطمي كلما احس بوضاعة سلوكه .. بغوغائية فعله .. او بوحشية جريمته .. باختصار يرتادها حين يجد نفسه في نهاية المطاف وحيدا برفقة فشله وفشل خزعبلاته .

هناك عند اللطمي اليوم حنين الى قرون اللامسؤولية التي صاحبت دور الضحية الالفي .. ففي عقدة الضحية يكمن مشروع كسل اخلاقي هائل .. كم كان العالم بسيطا انذاك .. جلاد مغتصب للسلطة وضحية بريء .. شياطين وملائكة .. المظلومية، تلك النرجسية الهائلة التي استلقت على حافات العالم خلال قرون ونظرت له من خلال ثنائية الشرالمطلق والنقاء المطلق يزيد / الحسين، تحولت اليوم الى ظلم هائل بمجرد نزولها الى ارض الواقع التطبيقي .. المظلومية اليوم يجسدها حرامية ومجرمين وسرسرية .. مستوى السقوط الحالي لا يجاريه الا مستوى الاحتقار الألفي للعالم .

امام هكذا سقوط مدوي .. امام صحراء الجريمة الحالية .. لابد من واحة وهم يستلذ فيها اللطمي مازوخيا بلعب دور الضحية .. ولكن "تمثيلية" الضحية لاتكتمل من دون جلاد .. من هنا الحاجة الى البعثي .. ليحمل جرائم اللطميون اليوم .. من هنا قول اللطمي من ان وزير "التربية" الذي اطلق النار على طلاب مدارس هو بعثي سابق .. اذا سقط المرء اصبح لطميا !!

عندما تكذب في المرة الاولى تكون فعالية الكذبة كبيرة ..وربما منفعتها ايضا ..ولكن باستمرار الكذب تتناقص فعالية الكذب ومنافعه .. ولكن اللطميون يجهلون ذلك ..لانهم يجهلون قانون المنفعة المتناقصة .. اتذكر استاذنا في الثانوية حاملا برتقالة بيده يستخدمها كمثال لشرح هذا القانون : "عندما تأكلون برتقالة واحدة تكون المنفعة كاملة .. وبعد ذلك تتناقص المنفعة بازدياد عدد البرتقالات المسافرة في الاحشاء" .. كانت صفوفا ارحم رغم كل شيء.

2008/06/18

انهم يرفعون القاذورات

تصور انك في عام 2005 وتقرأ هذا الخبر: " شهدت بغداد يوم امس الثلاثاء انفجار بشاحنة ملغومة بالقرب من سوق مزدحمة بالناس في منطقة تسكنها اغلبية شيعية.. وقد قالت مصادر في الشرطة العراقية ان عدد القتلى قد ارتفع الى نحو 63 قتيلا" وان "أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى" .


تعال الان وافترض انك لم تستمر في قراءة هذا الخبر حتى نهايته.. وبعدها يُطرح عليك سؤال:"من هو المسؤول يا ترى عن هذا العمل الاجرامي ؟؟ قبل الاجابة.. تذكر اننا نتحدث عن عراق 2005.. قليل من الجهد الذهني رجاءً.. لا تستطيع.. حسناً انا ساقول لك.. لو كنت في 2005 وكنت تقرأ هذا الخبر فهناك نسبة 99,99 بالمئة من الحظ من انك ستجد نهاية الخبر تقول ان المسؤول عن هذا الفعل الاجرامي هم "جماعات مسلحة ارهابية سنية فقدت السلطة وتحاول تخريب العملية الديمقراطية".. وستختلف التسميات بعد ذلك بحسب مصدر العواء الاعلامي الذي تقرأ.. صحف اللطم والمظلومية ستكتب " بقايا النظام السابق" او احفاد من كسروا ضلع الزهراء.. اما الـ "لوس انجلس تايمز" واخواتها في مهنة عدم البحث عن المتاعب فان ارهاب"القاعدة" هي كليشة كافية وتبيع اكثر في الكوكب الامريكي.

تعال الان واقرأ خبر هذا اليوم 18. 6. 2008 كما اوردته رويترز :"ارتفع عدد القتلى في تفجير شاحنة في بغداد الى 63 قتيلا يوم الاربعاء.. وقالت الشرطة العراقية ان أربعة اطفال وخمس نساء كانوا بين القتلى في الانفجار الذي وقع يوم الثلاثاء بالقرب من سوق مزدحمة في حي الحرية الذي تقطنه أغلبية شيعية في شمال غرب بغداد.. وأصيب 75 في أعنف هجوم تشهده العاصمة العراقية في ثلاثة اشهر.. والقى الجيش الامريكي اللوم على "جماعات خاصة" وهو تعبير يدل على متشددين من الشيعة يقول الجيش الامريكي ان ايران تدعمهم.. وقال الجيش انه يعتقد ان الهجوم يهدف الى تحريض على عنف شيعي ضد السنة العرب ..انتهى

مكان الانفجار.. وسيلة التفجير.. مفردات الخبر وصياغته.. كلها اشياء خبرناها.. الشيء الوحيد الذي تغير في خبر اليوم هو ان المليشيات الشيعية حلت محل الجماعات السنية المسلحة.. ولا تتعب نفسك بالبحث عن ادلة او بالمطالبة بتحقيقات دولية.. دعه يمر..العم سام اصدر بيان.. ووكالات الانباء قد تناقلت البيان.. والصحف قد نشرت الخبر.. والرأي العام قد قرأ الخبر بعجالة.. وعاشوا عيشة سعيدة.. هكذا يتم تكوين الرأي العام .

تعال الان لنغوص في مستوى اعمق لمعنى الخبر.. الجيش الامريكي يصدر بيان يتهم فيه المليشيات الشيعية بقتل الشيعة من اجل التحريض على السنة.. هناك متضمن هائل في هذا الخبر.. نفس المصدر الذي قال لنا ان القاعدة هي من فجرت ضريح العسكري في سامراء.. يقول لنا اليوم ان جماعات خاصة من داخل طائفة الشيعة تفجر الشاحنات في اسواق الشيعة من اجل التحريض على قتل السنة.. هل ترون ما ارى.. هذا يعني استنتاجا ان العديد من تفجيرات السنوات الاخيرة والتي تمت نسبتها الى "القاعدة" كانت "اعمال داخلية" كما حصل في التفجير الاخير من اجل تشويه سمعة المقاومة واثارة الشيعة ضد السنة .

السؤال الان: اذا كانت المجموعات الشيعية تلجا الى مثل تلك الاساليب.. فما الذي يمنع فرق الموت الامريكية من اللجوء الى نفس الاسلوب.. خصوصا وان الامبراطورية اُهينت عسكريا في العراق.. والاهم ان فرق الموت هو اسلوب عمل استخدمته الامبراطورية في ساحات صراع اخرى.. اعمال فرق الموت التي ادارها نغروبونتي في امريكا الوسطى والجنوبية استخدمت نفس هذا الاسلوب من اجل تشويه سمعة المعارضين الشيوعيين لمشاريع امريكا هناك.. حدث ذلك ذات حرب تسمى "باردة" حين كان العدو هو المد الشيوعي.. ايطاليا السبعينات ايضا شهدت هذا النوع من الاعمال حين قامت المخابرات الايطالية، ويقال عملا بنصيحة "اولاد العم سام من ذوي النظارات السوداء"، بتنفيذ تفجيرات "ارهابية" في الاماكن العامة ونسبتها الى المنظمات الشيوعية تحت لافتة الارهاب الشيوعي .. وحشّنة العدو هي انجع سلاح لتحييده امام الرأي العام .

خبر اليوم يفضح مسار واسلوب عمل قذر تسبب في قتل مئات الالوف من العراقيين وهجر اكثر من اربعة ملايين عراقي من منازلهم.. وما يقوله ايضا خبر اليوم هو ان مفهوم الارهاب في القاموس الامريكي هو مفهوم "حركي".. اقتل من العراقيين ما استطعت اليه سبيلا.. لن يمسُك شيء (جرائم فيلق بدر انموذجا).. ولكن في اللحظة التي تتعرض فيها لجندي امريكي فانت ارهابي.. سرسرية جيش المهدي الذين حاولوا افراغ بغداد من السُنة وبدعم الامريكي الذي كان يريد الضغط على مقاومة السنة.. هم من يقوم اليانكي اليوم بافراغ بغداد منهم.. شخصيا ساكون اخر من يقف امام مشروع رفع "القاذورات" من بغداد.. فمن يقتل المدينة التي استقبلته مهاجرا لا يستحق العيش في تلك المدينة ولا حتى في اكوام زبالتها على الاطراف.

2008/05/26

حين كان السيستاني يلعب "طم خريزة" مع بريمر




قبل ثلاثة ايام اوردت وكالة الاسوشيتد برس خبرا مفاده ان السيستاني افتى سرا بان المقاومة المسلحة للمحتل مسموح بها .. ولكن مقربين من السيد (دام ظلامه) سارعو بنفي هذا الخبر مطمئنين ان ليس هناك من انقطاع في "العلاقة التحت ارضية" بين سراديب النجف وسراديب المنطقة الخضراء .. الملفت للانتباه هو ان خوان كول الخبير في الشأن الشيعي والذي استشارته الاسوشيتد برس لم يشكّك بخبر الفتوى .. وهو في مدونته كتب مقال مطول شارحا فيه الاسباب والدوافع من وراءها .. اظن ان كول لم يشكّك بخبر الفتوى لانه يعرف ان مثل تلك الطريقة الكتمانية باصدار الفتاوى شائعة تاريخيا .. من هنا فهو لم يستبعدها خصوصا ونحن في عصر الـ "تكتيك" حبيبي !!

قد يكون خبر الفتوى ملفقا وقد لايكون .. ولكن الخبر يطرح للنقاش موقف السيستاني من الاحتلال .. ويطرح للنقاش ايضا شروط فتوى المقاومة المسلحة.. ساضع جانبا الابتذال الهائل الكامن في مفهوم الحاجة الى فتوى لكي تدافع عن وطنك المحتل .. وساركز على موقف السرداب الاعظم من الشيطان الاكبر .. ولمعرفة موقف السيستاني يجب طرح حيثيات هذا الموقف .. السيستاني ممثل للشيعة .. وهو في تعامله مع المحتل يعمل وفقا لمصالح واولويات طائفته .. وطالما ان الشيطان الاكبر (دام ظله ) يراعي مصالح الطائفة والاهم من ذلك لا يضر بدور المرجعية فان موقف السيستاني هو موقف بازاري .. "شيلني واشيلك" .. من هنا موقف السيستاني المهادن للاحتلال .. وساضع في النهاية مقتطفات من مذكرات بريمر تبين هذا الموقف بكلمات السيستاني نفسه .

اما بخصوص شروط فتوى المقاومة المسلحة للاحتلال .. فهي تخضع لنفس المنطق البازاري الاول .. السيستاني لمح عدة مرات في السنوات الاولى من الاحتلال الى ثورة العشرين ولدور المرجعية فيها ( وما ادراك ما ثورة العشرين !! فتوى الشيرازي في "ثورة" العشرين هي فتوى "دفاعية" بمفرداتها وصياغتها الحمالة الاوجه ، وهي لم تصدر الا بعد ان القى الانكليز القبض على ابن الشيرازي ونفوه الى جزيرة هنجام ، في حين ان كثير من مناطق العراق كانت ملتهبة قبل تلك الفتوى ) .. و مع ذلك فعلينا ان نحلل معنى تلميح السيستاني الى ثورة العشرين .. لان هناك في ثقافة اللطم قراءتين لثورة العشرين : باطنية وعلنية .. باطنيا المرجعية لاتريد تكرار ما تسميه ادبيات ثقافة اللطم بالخطأ التاريخي بعدم التعامل مع الانكليز .. ثورة العشرين في هذه القراءة هي خطأ ان لم تكن خطيئة .. اما في القراءة العلنية فثورة العشرين هي ليست خطأ وانما حدث يحتفى به بالاحرى يلوح به لاستخدامه سياسيا .

من هذه الازدواجية نستطيع ان نستخلص ان تلميح السيستاني الى ثورة العشرين في سنوات الاحتلال الاولى كان لغرض المقايضة .. "تكتيك حبيبي" .. وخصوصا في اللحظات التي كانت المرجعية تشعر فيها ان الشيطان الاكبر (دام ظله) غير واضح النوايا تجاه الشيعة، كما حصل قبل الانتخابات الاولى حين كان الامريكان يريدون تأجيل الانتخابات لعدم توفر شروطها بينما كان "ابناء البيوتات"الشيعية يريدون فرض واقع ميليشياتهم التي اعطتنا الكارثة الحالية .. من كل ما تقدم فان السيستاني لن يصدر فتوى المقاومة المسلحة الا حين يعتقد ان مصالح الشيعة مهددة .. اما حجة " نرفض الاحتلال ولكننا نعمل على طرده من خلال المقاومة السلمية والاعتصامات" فهو تبرير قد يقنع مشاهدي قناة الفرات اللطمية .. اما لمن يمتلك ذره عقل فهو نوع الاستهبال .

موقف السيستاني من الاحتلال بعد كل تلك السنوات الخمسة واضح لا لبس فيه .. ومن يبحث عن ادلة اكثر يجدها في ما يرويه بول بريمر عن اتصالاته العديدة مع السيستاني في كتابه "سنتي في العراق" الذي صدر عام 2005 وبالتحديد في الصفحات 165 و 166 .. وباختصار فان بريمر يقول انه تبادل مع السيستاني عشرات الرسائل بين شهري تموز وسبتمبر فقط .. وبحسب بريمر فان السيستاني في رسائله كان دائما يشكر سلطة التحالف على ما قدمته للشيعة وللعراق .. والسيستاني كان يرفض اللقاء العلني ببريمر "ليس من باب العداء لسلطة الاحتلال" كما يقول السيستاني لبريمر ولكن لانه يعتقد ان "تجنب الاتصال العلني سيسمح له ان يكون اكثر نفعا للاهداف المشتركة" مع سلطة الاحتلال .. وهنا مقتطفات مما يورده بريمر في كتابه بهذا الخصوص:


Just after Liberation, the ayatollah had let it be known through private channels that he would not meet with anyone from the Coalition. And I had not pressed for a personal meeting. Hume, who understood Islam and the Arab world well, succinctly analyzed this situation. “He can’t be publicly seen as cooperating with the occupying powers, Jerry,” he had told me. “Shades of 1920 and all that. And he’s got to protect his flanks from the hotheads like Muqtada. But the ayatollah will work with us. We share the same goals.” p.165

While both the Arab and the Western media lamented the supposed breach between Ayatollah Sistani and the Coalition, throughout the Coalition’s time in Iraq he and I communicated regularly on vital issues through intermediaries. ….And Hume was right. In the early summer, Sistani had sent word to me that his position had not been taken “out of hostility to the Coalition.” Rather, the ayatollah believed that avoiding public contact with the Coalition allowed him to be more useful in “our joint pursuits,” that he would forfeit some of his credibility among the faithful were he to cooperate openly with Coalition officials. As had many secular Shiites and Sunnis, as well as devout but lower-ranking Shia clergy.… In subsequent exchanges I assured the ayatollah that I was well aware of the suffering of the Shia, noting that my first trip outside Baghdad had been to Al-Hillah’s mass graves. And I pointed out that the Coalition was pumping lots of money into reconstruction projects in the Shia heartland. … Between July and mid-September alone, I had more than a dozen exchanges with the ayatollah. Sistani repeatedly expressed his personal gratitude for all that the Coalition had done for the Shia and for Iraq. Pp.166

MY YEAR IN IRAQ , By L. Paul Bremer III with Matthew McConnell. Illustrated. 417 pp. Simon
& Schuster

2008/05/12

ديالكتيك الهويات الضيقة

1

احمد الكاتب هو "باحث" شيعي نفى وجود شخصية المهدي تاريخيا وقال باسطوريتها .. المهدي "المنتظر" لم يولد ولم يغيب ولم يختفي .. وأبوه ورغم اسطوانة المظلومية لم يكن مضطهدا ولم يُسمم ولم يقتل ولا هم يحزنون .. بل كان ينعم بنعم وهبات الخليفة العباسي في سامراء .. لا شيء من كل ذلك الهراء المستجدي لعقول البسطاء والمسحوقين والسارق لارزاقهم .. شخصية المهدي المنتظر هي بحسب احمد الكاتب من اختراع "وكلاء المهدي الاربعة" من اجل كسب الخُمس ..احمد الكاتب يقول ان الائمة انفسهم لم يعتبروا انفسهم معصومين .. ولم يعتبروا انفسهم ائمة بالطريقة التي تقدمها نظرية الامامة الشيعية الاثنى عشرية والتي سهر على تغذيتها عبر القرون رجال الدين المتاجرين بفكرة الشفاعة والموزعين لمفاتيح الجنة الوهمية .

اسطورية شخصية "المنقذ" المنتظر ليست فكرة جديدة .. سوسيولوجيا الاديان وخصوصا الدراسات التي تستند الى النظرية البنيوية بينت وجود الفكرة في اديان ثقافات كثيرة فضلا عن اسطوريتها .. من هنا فقيمة مساهمة احمد الكاتب لاتأتي من جدة الفكرة .. ولكن لكون القائل بها شيعي درس ودرّس في حوزة شيعية وفرضيته تستند الى نصوص الشيعة "الرسمية" وامهات كتب المذهب .. ورغم ان الكاتب لايذهب في منهجه الى حدوده القصوى كما تفعل سوسيولوجيا الاديان فان مساهمته تعتبر "ثورة" في عالم السراديب .

المذهب الشيعي قائم في جوهره على نظرية الامامة .. احد المختصين الفرنسيين بالشان الشيعي يعرف المذهب الشيعي بـانه "امامولوجي" .. وانت عندما تلغي وجود الامام الثاني عشر فانت تفند بنفس الوقت نظرية الامامة باكملها .. والسؤال هو ماذا يبقى من المذهب الاثنى عشري اذا اسقطنا نظرية الامامة .. السؤال يتضمن اجابته .. ولكن احمد الكاتب لايذهب الى هذا الحد .

2

اطلعت امس على رسالة من احمد الكاتب يناشد فيها السيستاني بخصوص بعض الفتاوى الطائفية الموجودة في موقعه الرسمي على الانترنيت .. الكاتب يبدأ مناشدته للسيستاني بشكره جزيل الشكر على دوره " التاريخي الكبير في المحافظة على وحدة الشعب العراقي" والكاتب يخص بالذكر تصريحات السيستاني " المؤكدة على هامشية الخلافات بين الشيعة والسنة".. و " بعدم وجود خلافات حقيقية بين السنة والشيعة، ودعوته للشيعة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسية للسنة قبل أبناء السنة أنفسهم. وتوصيته للشيعة بأن لا يقولوا "إخواننا السنة" وأن يقولوا بدلا من ذلك:" أنفسنا أهل السنة .

بعد قراءتي لهذه الكلمات احسست برغبة بالتقيؤ.. العراقيون يحرقون في تنور الزهراء واحمد الكاتب يشكر السيستاني على دوره في الحفاظ على "وحده الشعب العراقي" .. انا شخصيا لا اعرف عن اية وحدة يتكلم الكاتب .. "المجتمع" العراقي اليوم يعيش اكبر صراع طائفي عرفه في تاريخه .. والملا يقول لنا دعه يمر " الخلافات هامشية" .. تلك الطريقة بمعالجة اكبر كارثة عرفها العراق تصيبني بالغثيان .. تلك الطريقة الغبية التي تطرح الاسئلة بأسلوب يغيّب اسئلة الازمة هي ايضا تساهم بقتل العراق .. "حسجة الاخويات" هذه لا ولن تنتج غير اجوبة "الاخويات" .. ونحن اليوم نعرف الى اين قادتنا شعارات "اخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه" : مباشرة الى تنور الزهراء !!

ما يستوقفني هو ان احمد الكاتب يستغرب من ان السيستاني يدعو الى الوحدة مع "انفسنا اهل السنة" في حين ان موقعه على الانترنيت ينشر فتاوى في قسم الأسئلة والأجوبة بخصوص الصلاة خلف أهل السنة، وزواج الشيعية من سني، حيث يوصي السيستاني " بالصلاة ظاهريا معهم" ، ويفتي "بعدم جواز الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من الضلال " .. واحمد الكاتب يستغرب هذا التناقض بين التصريحات الاخوية والفتاوى الطائفية .

انا شخصيا لا ولن استغرب فقه السراديب .. ما استغربه هو استغراب احمد الكاتب الذي يطلب من رجل دين بالكف عن فعل ما يُقيم سلطته .. ما لا يفهمه احمد الكاتب هو ان من دون تلك الفتاوى التي تُنظّر للاختلاف المذهبي لن يبقى هناك مذهب .. المذهب تاريخيا قام ضديا ومن دون تلك الضدية لن يعود هناك مذهب .. فعندما يتوقف السيستاني عن اصدار من مثل هكذا فتاوى منتجة للاختلاف فان سلطته ستنتفي .. واحمد الكاتب الذي قال بنفعية الدوافع التي كرست نظرية الامامة يطلب من رجل دين تقوم سلطته على التنظير للاختلاف بان لايفعل ذلك ..افتونا يرحمكم الله !!


يقال ان طريقة طرح السؤال تحدد مسبقا الاجابة .. واحمد الكاتب عندما يطرح مشكلة الطائفية والتعايش المذهبي من خلال التوجه الى رجل دين فهو يحصر الاجابة بفتوى رجال الدين .. وهو بذلك لايقوم الا بتقوية سلطة رجال الدين الرمزية .. لا غرابة فاحمد الكاتب يبقى بعد كل شي مُنتج حوزوي .. ولكن هذه الطريقة بطرح سؤال التعايش المذهبي تغيّب اشياء كثيرة واولها الظروف التاريخية التي انتجت التعايش المذهبي في عراق كان يا ما كان في قديم الزمان ..التعايش والتزاوج العبرطائفي الذي عرفه العراق قبل حكم العمامة لم تؤسس له فتوى .. لا بل ان مثل تلك الفتاوى الطائفية كانت موجودة .. لان عمرها قرون .. ولكنها لم تمنع التزاوج العبر طائفي.. السؤال الان هو كيف حصل ذلك التعايش المذهبي رغم وجود تلك الفتاوى الطائفية ؟

طرح السؤال بهذه الطريقة يقترح منظور اخر للاجابة غير المنظور الذي يفرضه احمد الكاتب لمعالجة مسألة التعايش المذهبي وبالتالي التزاوج العبرطائفي .. تكلمت في السابق عن ظاهرة التزاوج العبرطائفي .. التزاوج العبرطائفي هو نتاج مشروع الدولة العراقية الحديثة .. والمدرسة المصنع الجيش الجامعة الخ كانت هي الحاضنات التي مكنت التعايش المذهبي وبالتالي الزواج العبرطائفي .. هذه هي مصانع الاوطان في كل الدول .. ونظرية الدولة فيها دراسات كثيرة عن هذا الموضوع .. ليس غريبا ان رجال الدين في النجف وكربلاء قد حاربوا المدارس الحديثة وحاربوا الجيش في بدايات تأسيسه .. تلك المؤسسات هي الادوات التي فتت نسبيا الغيتوهات الطائفية وبالتالي هي قد فتت سلطة رجال الدين القائمين والعاملين على ابقاء الغيتوهات الطائفية .

3

احمد الكاتب هو من جيل "جاهد" في سبعينيات القرن العراقي الماضي من اجل تطبيق ما كانوا يسمونه "حكم المرجعية" في العراق .. وهو وكثيرين من امثاله شاركوا في تأجيج الصراع الطائفي في السبعينات .. استخدموا آنذاك المناسبات الدينية ورفعوا خلالها شعارات تنادي بسقوط السلطة .. وعندما جابهتهم السلطة بالقوة قالوا طائفية .. الحركات المهدوية التي ظهرت في السنوات الخمس الاخيرة في العراق استخدمت نفس اسلوب جيل احمد الكاتب في تسييس المناسبات الدينية ..وشيعة السلطة قد ردوا عليها بعنف افضع من عنف سلطة البعث في السبعينات .. امس كما اليوم السلطة قد تحركت ضد خطر يهددها والعامل المذهبي ليس له علاقة في الموضوع ..ولكن ثقافة اللطم وظفت تحرك السلطة ضدهم في عام 1974 و 1977 من اجل وصف السلطة بالطائفية .. لم يكن التركيز على قمعية النظام .. لا ..وانما على طائفيته .. لانهم كانوا اصحاب اجندة ترمي الى التركيز على البعد المذهبي في الصراع السياسي .. وهم في ذلك كانوا متناغمين مع مشروع عالم السراديب .

خطتهم في تسييس "المقدس" والاستفادة منه حركيا كانت فعالة .. ورغم ان رد السلطة البعثية على "مهدويات" السبعينات كان متواضعا قياسا للقمع الذي مارسه شيعة السلطة مؤخرا ضد مهدويات اليوم .. إلا انهم ضربوا على اوتار حساسة داخل "نخب" سياسية خرجت توا من سجن الملّة ... مقالة اوفرا بنجيو في الـ "ميدل ايسترن ستديز" وعنوانها "الشيعه والسياسة في العراق البعثي" (المجلد 21 عدد 1 لسنة 1985) تتناول تلك الاحداث بتفصيل جيد .. وهي تقول ان تلك الاحداث قد ساهمت في سقوط جناح احمد حسن البكر المعتدل داخل مجلس قيادة الثورة وصعود جناح صدام حسين المتطرف .. وتقول ان اقصاء احمد حسن البكر ووضعه تحت الاقامة الجبرية جاء نتجة لهذا الصراع بين الجناحين حول كيفية التعامل مع خطر الاسلام الشيعي في الداخل وخصوصا بعد قيام الثورة الايرانية .. بمعنى ان جيل احمد الكاتب قد ساهم على طريقته باشعال الحرب العراقية الايرانية .. واحمد الكاتب يعترف بذلك .. ومنظمة العمل الاسلامي التي ينتمي اليها الكاتب هي اول من لجأ الى التفجيرات الارهابية في عراق ما قبل الحرب العراقية الايرانية .

دارت عجلة الزمن .. جيل احمد الكاتب "يحكم" اليوم في العراق بفضل "الشيطان الاكبر" كما تسميه ادبياتهم .. وهم حتى اليوم لم ينجحوا في ادارة مدينة كما ينبغي .. وقد وصلوا بالعنف الطائفي الى درجة لم يشهدها العراق في تاريخه .. وتدميرية نظامهم الميليشياوي هو اسؤ شيء حصل للعراق منذ المغول .. واحمد الكاتب يناشد السيستاني اليوم من اجل التعايش المجتمعي .. "شكرا" احمد الكاتب على الجهود .. ولكننا لا ننتظر شيئا من رجل دين قروسطوي .. لانه ببساطة جزء من المشكلة .. و"شكرا" ايضا على بحوثكم .. ولكننا لم نكن ننتظر "غودو" .. نحن لم نكن ننتظر اساطير وخزعبلات غبية .. كنا ننتظر اشياء من هذا العالم .. كنا ننتظر تراكم اكبر .. كنا ننتظر نضوج وطن .. وطن تقتله اليوم ثقافة الكُره التي غذتها عمامات السراديب التي ربتكم .. تلك المسوخ التي تقتل اليوم بتنور الزهراء والدريل هي مخلوقات ساهم في خلقها نضال سراديبكم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .. كل فتاوى العالم لن تستطيع بعد اليوم اعادة ذلك التعايش الذي كان يا ما كان في قديم الزمان .. قبل ان تخرجوا من سراديبكم .

2008/04/30

شيء من التاريخ




في كتابه "المسألة العراقية" يستغرب بيير جان لويزار وهو احد الباحثين الفرنسيين في الشأن العراقي من ان حنا بطاطو الذي كتب "انجيل العراق" بحسب تعبيره لايكرس اهتماما كبيرا لدور الدين في المشهد السياسي العراقي .. الخطأ الذي يقع فيه الباحث الفرنسي هو انه يرى عراق الستينات بنظارات عراق اليوم وهو بذلك يسقط الحاضر على الماضي .. احد الفلاسفة الالمان كان يقول من في رأسه مطرقة يرى كل الاشياء امامه على شكل مسامير.. وهذا الباحث الفرنسي كرس حياته لدراسة الحركات الاسلامية وهو لا يرى غير ذلك .. من هنا فهو لايتقبل حقيقة ان دور الدين انذاك لم يكن كبير في المشهد السياسي العراقي كما هو اليوم .

كما ان عراق العشرينات من القرن الماضي لايشبه عراق الستينات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. فان عراق الستينات والسبعينات لايشبه عراق التسعينات وعراق اليوم .. استغراب الباحث الفرنسي هذا يمكن طرحه على شكل سؤال : ترى لماذا تطرق حنا بطاطو لتاريخ العراق المعاصر من خلال المنظور الطبقي وليس الديني او الطائفي ؟ هنا نحن امام سؤال اكثر حيادية من استغراب الباحث الفرنسي والذي ينظر للماضي من خلال الحاضر وهو بالتالي يفرض ديناميكية الحاضر على الماضي .

حنا بطاطو كان يرى عراق الخمسينات والستينات والسبعينات فلا غرابة انه ركز على البعد الطبقي وعلى الاحزاب العلمانية التي شكلت تجربة حزبية عبرطائفية .. وهو لم يعطي اهتماما لدور الدين لانه لم يكن مؤثرا في الساحة السياسية العراقية انذاك .. لقد اكتسحت افكار الاحزاب العلمانية الشارع العراقي لانها كانت تجيب على اسئلة وحاجات ذلك الجيل .. علينا ان نتذكر مثلا ان مكتبات النجف كانت انذاك تبيع كتب من مثل "السيف البتار على الكفار الذين يقولون المطر من البخار" ..والباحث الفرنسي لايعرف ذلك .. فقط عندما نعرف ذلك نستطيع ان نفهم اثر "المادية الديالكتيكية " او حتى افكارها المبسطة على شباب ذلك الجيل .

لا بل ان تأثير الماركسية نجده حتى عند رجال الدين وابرز مثال هو محمد باقر الصدر .. فكتابيه "فلسفتنا" و"اقتصادنا" ليس سوى محاولة ضحلة لاستعارة مكشوفة واسلمة للكثير من الافكار والمصطلحات الماركسية .. وعناوين كتب الصدر لوحدها تحكي هذا التأثير.. فتوى محسن الحكيم ومرتضى الياسين في الستينات والتي حرمت الانظمام الى الحزب الشيوعي هي ايضا دليل على تعاضم دور الافكار العلمانية في الوسط الشيعي .. وهي رد فعل على الحزب الشيوعي الذي كان يحصد الرفاق حتى داخل بيوتات رجال الدين .. وتلك الفتوى لم تمنع الكثير من الشيعة من الانضمام الى الحزب الشيوعي .

هنا مقتطفات من كتاب بطاطو تشرح نبض الشارع العراقي آنذاك .. في المقتطف الاول يصف حنا بطاطو الجو الفكري والاجتماعي لتلك الايام ويصف دور الاسلام في المجتمع العراقي انذاك او على الاقل ضمن الشريحة التي شكلت التجربة الحزبية .. ثم هو يروي بعد ذلك قصة انجذاب عبدالله مسعود وهو شيعي من عائلة متدينه نحو الشيوعية .. ومسعود كان احد قيادي الحزب الشيوعي عندما التقاه بطاطو :


“ there was an unassuaged thirst for ideals. The elements directly affected were, of course, the youth of Iraq, and especially the students. The Islamic (Shi’i or Sunnis) ideas, which had for long been the mainstay of the people, were in state of progressive decomposition. At least as then formulated and interpreted, they were out of accord with the needs, desires, and life experience of an ever-widening number of socially conscious Iraqis. Islam to be sure, still preserve its impressive outward front, but in reality had lost much of its life-furthering power” (Batatu 1978, p.480

“ when reading a forbidden book he first came across the idea that the distinction between men were not God-given but were du to humain and historical causes, the idea was to him “something like revelation”. There was nothing in his previous experience to suggest anything different. He had taken for granted the Qur’anic injunction: “and as to the mean of livelihood we have preferred some of you to others” (Batatu 1978, 481
 

2008/04/09

حكومة من ورق



L’anarchie n’est pas l’absence de gouvernement mais c’est un gouvernement faible


الفوضى ليست غياب الحكومة ولكنها حكومة ضعيفة" .. لم اعد اذكر من هو صاحب هذه الجملة الكثيفة .. اليوم تكتمل خمس سنوات احتلال .. خمس سنوات فوضى .. في عراق الاحتلال الفوضى هي العلامة الطاغية .. في كل مكان فوضى .. في المدارس حيث عاد الملا القروسطوي .. في المستشفيات حيث يعالج الناس بأدوية فاسدة او مخصصة للحيوانات .. وفي الجامعات التي شوهتها قاعات اللطمية .. وفي الوزارات التي ما ان يسرق قسما من اقسام احداها حتى يشب فيه حريق يمحو اثار "مظلومية" مرت من هناك على عجل .. خمس سنوات احتلال .. خمس سنوات فوضى.

كل ما تلمسه يد حكومة الاحتلال يتحول الى فوضى .. واخر "لمسة" حكومية لم تشذ عن ثابت الفوضى هذا .. ما اراد لها المالكي ان تكون "صولة فرسان" .. احتفالية عرض عضلات تتزامن مع "ذكرى" خمس سنوات على "تحرير" الفوضى الخلاقة قد انتهت بأكبر صفعة تلقاها "المشروع الامريكي في العراق .. "صولة الفرسان" كشفت عن عمق الفوضى في ما يفترض ان يكون "النموذج" المؤسساتي لحكومة الاحتلال .. الجيش الذي خصصت له مليارات الدولارات (ونهبت في صفقات تسليحه مليارات) ظهر في اول اختبار له على شكل فوضى .

لقد وصل الفشل في "صولة الفرسان" الى درجة ان قائد كبير في الجيش يرفض تنفيذ الاوامر لانه يعتقد ان الحكومة غير قادرة على حمايته و حماية عائلته اذا ما هو قاتل مليشيا جيش المهدي المتنفذة امنيا .. البعض تحدث عن عصيان عسكري داخل الجيش .. المصادر الحكومية تكلمت عن الف جندي وضابط رفضوا القتال او سلموا اسلحتهم لميليشيا الصدر .. من يصدق ارقام الحكومة ؟؟ الواشنطن بوست ذكرت ان مسؤول كبير في وزارة الدفاع العراقية لم تكشف عن اسمة قال لها ان ثلاثين بالمئة من القوات العراقية قد فر من المعركة .. اما شبكة الـ "ان بي سي " الامريكية فقد قالت ان نصف عدد القوات العراقية قد فر .

فقط عندما نعرف تلك الارقام نفهم الحالة العصبية المهتزة التي ظهر فيها المالكي وعكستها هستيرية تصريحاته وتناقض قراراته .. وفقط عندما نعي خطورة تلك الفوضى التي ضربت الجيش نفهم عرض الهدنة الاول لثلاثة ايام .. ثم تمديدها بعرض هدنة اطول .. كل تلك الخطوات كانت من اجل كسب الوقت وللتغطية على التشرذم الذي ضرب الجيش .. وفقط النفوذ الايراني وقدرته على جمع خيوط الاطراف الشيعية المتصارعة كان قادرا على تدارك هذا الفشل الكارثي وانقاذ ماء الوجه .. فليس من مصلحة ايران ان يظهر شيعة السلطة بهذا المظهر القرقوزي .. الطريقة التي جمع بها ممثل خامنئي الاطراف الشيعية المتقاتلة في قم وحل الازمة خلال ساعات تنم عن قدرة هائلة في تحكم "الملا" الايراني ببيادقه .. الطريقة التي تم بها "الاتفاق" وسرعة اتمامه تبين ان مصطلح "الاحتلال الايراني" ليس تعبيرا مبالغا فيه .

فشل "صولة الفرسان" في البصرة وامام مليشيا سرقة نفط أدت الى تطور مهم في الجنوب : الحكومة اضطرت الى الاستعانة ببنادق العشائر.. وهنا نحن امام اهم مخلفات "الصولة" ميدانيا .. اغلب الاطراف في "الائتلاف" الشيعي كانت ترفض دورا امنيا للعشائر .. هم يعرفون ان اعطاء العشائر دورا امنيا سيعني اعطاء الشيخ على المدى البعيد دورا سياسيا قد ينافس العمامة .. لذلك هم رفضوا خيار الصحوات قبل هذا التاريخ .. ولكن فشل الاجهزة الامنية في البصرة قد ترك الحكومة بلا بنادق .. "الملك عاري" .. المالكي بعد عرض التشرذم الاخير لم يعد يملك اوراق كثيرة يناور بها امام مخطط الامريكي "حلول عراقية لمشاكل عراقية" الرامي الى الاعتماد على بنادق العشائر في فرض الامن .. الامريكي يريد تغير اللاعبين من اجل تغير اتجاه اللعبة .. موسم هجرة الصحوات الى الجنوب قد حل .

يبقى السؤال الاشكالية الذي سيفرض نفسه بعد اليوم بقوة : اذا كان الجيش، وهو المؤسسة التي يفترض بها ان تكون الاكثر التزاما بالنظام، على هذا المستوى من الفوضى .. واذا كان ولاء هذا الجيش ليس للحكومة وانما للميليشيات .. فأين اذا ستجد الحكومة الطاعة والولاء .. هنا نحن امام المعطى السياسي الاهم لـ "صولة الفرسان".. الضعف البنيوي للجيش قد كشف عن الخواء "المعنوي" لحكومة الاحتلال .. "صولة الفرسان" كشفت عن مرض نقص المناعة الذي يصيب عادة حكومات الاحتلال .. نقص الشرعية يؤدي الى نقص "معنوي" .. والنقص المعنوي بدوره يسبب نقص في الولاء الوطنى .. وبلا ولاء وطني، تتحول البندقية الى كتلة حديد ترمى في اول اشتباك حار .. وحكومة بلا بنادق .. هي حكومة من ورق
.

2008/03/25

توماس جفرسون في الفلوجة


مقالة سادرسان راغافان في الواشنطن بوست عن حال الفلوجة اليوم تستحق القراءة .. هي تصور الطريقة العنيفة التي تدار بها مدينة الفلوجة من قبل الزوبعي قائد شرطتها .. الصحفي يستعين بالزوبعي وهو ضابط سابق في الحرس الجمهوري ليقول لنا ما يحتاجه المجتمع العراقي الذي لايحترم الا لغة القوة ويفسر الرحمة على انها ضعف .. يقول الصحافي مستندا الى منطق مدير شرطة الفلوجة : بما ان الرجال في عراق اليوم يحرقون البشر احياء فان الاساليب العنيفة في الادارة ضرورية لحفظ النظام والامن.



أن قصة الزوبعي في الفلوجة كما يقول الصحافي تعطي فكرة عن العراق بعد خمس سنوات احتلال .. وبما ان هناك في الكوكب الامريكي من لازال يصدق المبررات الامريكية الرسمية لاحتلال العراق .. فاننا نسمع الصحافي يقول ان "المُثل" الامريكية التي كانت من ضمن مبررات غزو العراق كالديمقراطية وحقوق الانسان تترك المجال اليوم لقيم نابعة من الموروث العراقي والثقافة البدوية مثل قيم الاحترام والخوف والعنف .. خلاصة هذا الطرح الثقافوي هو رمي مسؤولية الكارثة الحالية على القيم العراقية التي تُحتم العنف كوسيلة حكم .. وبهذه الطريقة الفهلوية يستل الصحفي "الارنب" الامريكي من قبعة المسؤولية .. وهنا يتدخل الضابط الامريكي ويقول للصحفي كلمة الختام : " لايوجد هنا شخص مثل توماس جفرسون" .


مثل تلك الحجج الثقافوية فعالة فقط لانها تُغيّب المسار التاريخي لبناء الدول والمجتمعات .. نستطيع ان نذهب الى عصر توماس جفرسون ونرى مقدار العنف الامريكي انذاك على مستوى الافراد كما على مستوى "الدولة" الامريكية التي قتلت عشرين مليون هندي احمر.. ولكن بما انني اريد ان اركز على نقطة اخرى فانني اكتفي بالقول ان امريكا ايضا كانت حتى وقت قريب "ارض يحرق فيها البشر احياء" .. وهذا كان يحصل في شيكاغو العشرينات وميسيسيبي الستينات من القرن العشرين تحت ما يعرف بقوانين لينش ، اي القتل او الحرق الغوغائي للسود .. ومن يريد ان يشاهد حفلات القتل والحرق البشري االامريكية يستطيع ان يزور موقع جيمس الن المختص بالموضوع .


القتل الغوغائي لايعرف حدود ثقافية والامثلة كثيرة من فرنسا الى المانيا مرورا بجنوب افريقيا والمكسيك وانتهاء بالهند والصين .. العنف الغوغائي لغة كونية حين يهيمن الخوف ويغيب الاطار القانوني الرادع والمنظم للصراع الموجود في كل مجتمع .. وهذا ليس تبريرا للعنف الحاصل في العراق ولكن فقط لدحض تحليل الصحافي الذي يُرجع العنف الحاصل اليوم في العراق فقط الى عوامل الثقافة العراقية او قيم البداوة العربية .. كل الثقافات قتلت وتقتل تحت ظرفية ما .. والامريكي اليوم اخر من يعطي دروسا في التحضّر لأنه المسؤول الاكبر عن العنف الحاصل اليوم في العراق وهذا ما لا يقوله الصحفي .


ولكنني سأتوقف عند جملة الضابط الامريكي حين يقول "لايوجد هنا شخص مثل توماس جفرسون".. وساحاول ان اعيد تكوين الجملة : ترى ماذا لو كان توماس جفرسون في العراق اليوم .. فكرة فنطازية .. ولكن لما لا .. سادفع هذه الفكرة الفنطازية الى حدودها القصوى علها تظهر لنا ما تخفية الافكار والصور النمطية .. انا سأتخيل "الشيخ" توماس في الفلوجة حتى .. بل انني ساتخيله مرتديا الدشداشة والكوفية الحمراء !! قليل من الخيال لا يضر.


لوكان توماس جفرسون في الفلوجة فأظن ، ولست متأكدا، انه كان سيعجب بشيئين ...اولا كان سيعجب بالتنظيم العشائري لسكان الفلوجة وهو حتما كان سيعكف على دراسة التنظيم العشائري فيها .. فتوماس جفرسون تاريخيا كان معجبا بالتنظيم العشائري للهنود الحمر وهو كان يحسدهم على سعادتهم الناتجة عن نمط حياتهم المتكافل .. ثانيا هو سيكون سعيدا في الفلوجة لانه سيجد فيها ألذ "كباب" في العراق !! فالمعروف عن جفرسون حبه الخرافي للطعام حتى ان البعض كان يؤاخذه على شراهته امام الطعام .


وبجدية اكبر .. لو كان توماس جفرسون في الفلوجة فأظن انه كان سينزعج من شيئين .. اولا كان سينزعج لان الفلوجة ليس فيها عبيد !! فبالرغم من ان هذا "الاب المؤسس" للديمقراطية الامريكية قد جعل من الحرية ام الحقوق .. ورغم انه دعى الى الغاء الرق والعبودية .. الا انه كان يستخدم حتى نهاية حياته العديد من العبيد السود في مزرعته ( مفهوم العدالة في امريكا كان دائما مفهوم نسبي عندما يتعلق الامر بالمصالح وجفرسون ليس استثناء) .. وثانيا وهنا المهم، لو كان جفرسون في الفلوجة فهو سيغضب كثيرا لان الاحتلال سوف لن يُسمح له ان يطالب بالاستقلال ويدعو للتمرد على المحتل .. كما فعل حين ساهم في كتابة "اعلان استقلال الولايات الامريكية " عن التاج البريطاني في فيلادلفيا عام 1776.


الضابط الامريكي لايرى جفرسون في العراق اليوم لانه لايعرف كيف كان البريطانيين يسمون جفرسون ورفاقه الموقعين على "اعلان الاستقلال " أبان حرب الاستقلال الامريكية .. توماس جفرسون اكتسب شهرته في التاريخ الامريكي ليس لانه "فيلسوف سياسي" او مصلح .. لا، لا.. فكل افكاره السياسية مستقاة من المفكر البريطاني جون لوك ومفكري عصر التنوير .. جفرسون شهير في امريكا لانه المساهم الاكبر في كتابة "اعلان استقلال الولايات المتحدة" الذي دعى الى استقلال امريكا عن التاج البريطاني ونص اول ما نص على حق مقاومة المحتل البريطاني .. بمعنى ان مكانته متأتية من كونه مقاوم بالدرجة الاولى وليس من كونه مفكر او مصلح .. انذاك كان البريطانيون يسمون الامريكيين الداعين للاستقلال بالمتمردين .. وهذا ما لايعرفه الضابط الامريكي .


باختصار .. لو كان جفرسون في الفلوجة اليوم .. فهو حتما سيشارك في كتابة "اعلان استقلال العراق" داعيا فيه الى حق مقاومة المحتل الامريكي .. ولكنهم سيسمونه متمردا .. واولهم هذا الضابط الامريكي .. نعم .. لو كان توماس جفرسون في العراق اليوم لسموه ارهابيا .